الباب التاسع والعشرون في صفة طبائع الألبان ومنافعها ومضارها
وصفة سقيها وصفة اتخاذ أنواع ماء الجبن لعلة علة ولبن لبن وصفة اتخاذ مخيض البقر وسقيه على وجوهه وألوانه على سبيل الاختصار والإيجاز أقول : إن اللبن وإن كان بسيطا عند الحس . فإنه مركب من جواهر مختلفة الطبايع متضادة الأفعال مثل شئ يطلق البطن ويلطف الأخلاط الغليظة وينقى مجارى الكبد في مائيته . وشئ يعقل البطن ويغلظ ويحدث سددا في مجارى الكبد والحصاة في الكلى والمثانة وذلك جبينته وشئ يلين الأعضاء ويرخيها وذلك زبديته .
وخير اللبن ما كان معتدلا في القوام والكيفيات ، فإنه أجود ما يغتذى به الناس في حال الصحة لأنه يولد دما محمودا جيدا ويلين البطن ويغذو باعتدال . وخاصة إذا كان المستعمل له مجارى أحشائه واسعة يمرّ اللبن فيها بسهولة ولا يلحح فيها ويحدث سددا في الكبد عند نفوذه من الجانب المقعر إلى الجانب المحدب . فإنه إن أحدث ذلك كان سببا لآفات كثيرة .
واللبن ينفع جدا من المواد الحارة اللذاعة التي تنصب إلى جميع البدن لأنه يغسلها ويجلوها بالمائية التي فيها ويلصق جسمه الغليظ الدسم بالأعضاء فيعرى حتى لا يلقاها تلك المادة وهي عارية قشفة فيخرجها وينكيها . وخيره لهذا لبن المعز غير أنه ردئ للرأس والأسنان واللثة فإنه يرطبها فوق المقدار الواجب حتى يسرع إليها التعفن والتأكل إلا أن يكون الرأس قويا بالطبع . واللبن إذا ورد على الأبدان التي ليست بنقية استحالت في المعدة الحارة إلى الدخانية ، وفي التي هي قليلة الحرارة إلى الحموضة ويتجبن في المعدة الباردة .
وقال أبقراط في « الفصول » : اللبن لمن به عطش ردئ ، ولمن الغالب على برازه المرار وللمحمومين ولمن اختلف دما كثيرا ، وخير أوقات سقيه للعلاج الربيع لاعتدال الهواء فيه فيعتدل اللبن ، ولا يكون غليظا مثل لبن الصيف . ويجب أن يستعمل بعد وضع