وذكر الحكماء بأنَّ المروءة في المجتمع بوجود أربع خصال في فرده ( بأن يعتزل الريبة فلا يكون في شيء منها فإذا كان مريباً كان ذليلًا ، وأن يصلح ماله فلا يفسده فإنه إن أفسد ماله لم تكن له مروءة ، وأن يقوم لأهله بما يحتاجون إليه حتى يستغنوا به عن غيره فإنَّ من احتاج أهله إلى الناس لم تكن له مروءة ، وأن ينظر ما يوافقه من الطعام والشراب فيلزمه فإنَّ ذلك من المروءة ) « 1 » .
وقد مُدِحَ أهل بغداد لأن أهلهم كانوا أهل مروءة ، فقد روي عن ذي النون أنه كان يقول بمصر : من أراد أن يتعلم المروءة فعليه بسقاة بغداد ، فقيل له : وكيف ذاك ؟ فقال : لما حملت إلى بغداد رمي بي على باب السلطان مقيداً فمرَّ بي رجل متزر بمنديل مصري معتم بمنديل ديبقي بيده كيزان خزف رقاق وزجاج مخروط فسألت هذا ساقي السلطان ؟ فقيل لي : لا ، هذا ساقي العامة فأومأت إليه اسقني فتقدم وسقاني فشممت في الكوز رائحة المسك فقلت لمن معي : ادفع إليه ديناراً فأعطاه الدينار فأبى وقال : ليس آخذ شيئاً ، فقلت له : ولِمَ ؟ فقال : أنت أسير وليس من المروءة أن آخذ منك شيئاً ، فقلت : كمل الظرف في هذا ) « 2 » .
وقد ذمَّ أهل خراسان بفقدان المروءة بقول الشاعر فيهم « 3 » :
هامش
( 1 ) شعب الإيمان : 7 / 441 .
( 2 ) تاريخ بغداد : 1 / 73 .
( 3 ) تاريخ بغداد : 5 / 345 ، تذكرة الحفاظ : 3 / 930 .