على الصيام أجرا ، ويكون ممّن يقصد إثبات عدالته ، فيتّخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكّى ، ويصير مقبولا عند الحاكم .
وكلّ هذه الأنواع قد رأيناها وسمعناها .
فيجب على الحاكم إذا جرّب مثل ذلك ، وعرف من نفسه أو بخبر من يثق به أنّ دلالة الحساب على عدم إمكان الرؤية أن لا يقبل هذه الشهادة ، ولا يثبت بها ، ولا يحكم بها ، ويستصحب الأصل في بقاء الشهر ، فإنّه دليل شرعي محقّق حتّى يتحقّق خلافه .
. . . في هذه الواقعة قامت البيّنة بالاستحالة ، فلنا أن نقول لمن لا ينجذب طبعه إلى حساب : هاتان البيّنتان تعارضتا ، كما لو شهد اثنان أن زيدا قتل عمرا يوم كذا في بلد كذا ، فشهد آخران أنّ عمرا كان في ذلك اليوم في بلد آخر لا يمكن الوصول منه إلى ذلك البلد في ذلك اليوم عادة ، وإن كان يمكن عقلا .
. . . فلو أخبرنا مخبر أنّه رأى شخصا بعيدا عنه في مسافة يوم مثلا ، وسمعه يقرّ بحقّ ، وشهد عليه به لم يقبل خبره ، ولا شهادته بذلك ولا نرتّب عليها حكما ، وإن كان ذلك ممكنا في العقل لكنّه مستحيل في العادة ، فكذلك إذا شهد عندنا اثنان أو أكثر ممّن يجوز كذبهما أو غلطهما برؤية الهلال ، وقد دلّ حساب تسيير منازل القمر على عدم إمكان رؤيته في ذلك الذي قالا : إنّهما رأياه فيه ، تردّ شهادتهما ؛ لأنّ الإمكان شرط في المشهود به ، وتجويز الكذب والغلط على الشاهدين المذكورين أولى من تجويز انخرام العادة ، فالمستحيل العادي والمستحيل العقلي لا يقبل الإقرار به ولا الشهادة ، وحقّ على القاضي التيقّظ لذلك أن لا يتسرّع إلى قبول قول الشاهدين حتّى يفحص عن حالة ما شهدا به من الإمكان وعدمه ومراتب الإمكان فيه ، وهل بصرهما يقتضي ذلك أو لا ، وهل هما ممّن يشتبه عليهما أو لا ؟
فإذا تبيّن له الإمكان ، وأنّهما ممّن يجيد بصرهما رؤيته ، ولا يشتبه عليهما لفطنتهما ويقظتهما ، ولا غرض لهما ، وهما عدلان ، ذلك بسبب أولا فيتوقّف أو يردّ .
ولو كان كلّ ما شهد به شاهدان يثبته القاضي لكان كلّ أحد يدرك حقيقة القضاء « 1 » .
هامش
( 1 ) . الفتاوى ، ج 1 ، ص 209 ، 210 ، 218 .