وقد ظهر من هذا التحقيق ما هو المراد من النهي الوارد في هذه الأخبار إن شاء الله تعالى . وقد ظهر منه أيضا أنّ القول بنفي حياة السماويات ليس ضروريا في الدين ، كما ادّعاه المرتضى في بعض رسائله . « 1 »
« خلافا لشاذّ من الأصحاب » حكى الشيخ رحمه اللّه في الخلاف عن شاذّ من أصحابنا ومن العامّة القول بالجدول . « 2 »
واحتجّ أصحاب هذا القول على ما ذكره العلّامة رحمه اللّه في المنتهى « 3 » بقوله تعالى :
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
« 4 » ، وبأنّ الكواكب والمنازل يرجع إليها في القبلة والأوقات ، وهي أمور شرعيّة فكذا هاهنا .
وضعف ذلك ظاهر ؛ للفرق الواضح بين الاهتداء بمشاهدة النجم في تعرّف الطرق والمسالك والبلدان والقبلة والأوقات والشهور كما ورد في الشريعة ، وبين الاهتداء باستخراج حال النجم من الرصد والحساب الظنّي ، كما هو المبحوث عنه والمفيد في هذا المقام .
ولكن بقي الإشكال فيما لو حصل العلم بالهلال للرصدي من الحساب والتجربة ، أو لغيره بقول كثير منهم ، وقد يتّفق ذلك نادرا خصوصا في الليلة الثانية أو الثالثة من الشهر بحسابهم ، حيث اختلّ ضبط أوائل الشهور المتعدّدة المتوالية بالرؤية والمشاهدة .
ووجه الإشكال عدم ورود التعويل على الرصد في الشريعة كما عرفت ، وحصول العلم بدخول الشهر المأمور من حضره بالصيام كحصول العلم به بانقضاء ثلاثين من شعبان .
ويمكن القول بعدم اعتبار مثل هذا العلم الحاصل لبعض الآحاد بالنظر الدقيق الخفيّ المأخذ في أمثال تلك الأحكام الفرعيّة التي أخذ التعبّد بها على عامّة الناس ، وذلك بخلاف العلم بدخول الشهر الجديد بانقضاء ثلاثين من الشهر السابق ، فإنّه من العلوم العادية الظاهرة .
« ولا » عبرة أيضا « بعدم طلوعه » أي طلوع القمر « من المشرق في دخول الشهر للّيلة المستقبلة » لأنّه لا يطلع في الثامن والعشرين البتّة ، وقد لا يطلع في السابع والعشرين أيضا نادرا في بعض الشهور مع عدم إمكان الشهر الجديد في الليلة المستقبلة ، وفي التاسع
هامش
( 1 ) . رسائل الشريف المرتضى ، ج 2 ، ص 303 ، مسألة في الردّ على المنجّمين .
( 2 ) . الخلاف ، ج 2 ، ص 169 ، المسألة 8 .
( 3 ) . منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 590 ، الطبعة الحجرية .
( 4 ) . النحل ( 16 ) : 16 .