رئي فيها الهلال ، هي أوّل الشهر بالنسبة إلى أفقه ، فالليلتان المذكورتان ظرف للمطلوب ، لكون ليلة القدر في إحداهما لا محالة ؛ وإن كانت ليلة أوّل الشهر هي الليلة التي رئي فيها القمر من قبل المخبر ، وخفي الهلال عندئذ في أفق السائل لغيم أو سحاب ونحوهما ، فاللازم إحياء ليلتين أخريين أيضا قبل هاتين الليلتين ، رجاء لإدراك ليلة القدر في إحداهما .
بل هذه الرواية للقول بلزوم الاشتراك في الآفاق أدلّ . لأنّه لو لم يلزم الاشتراك فيها لتعيّن أن يجيب عليه السّلام بإحياء ليلتين أخريين فقط على حساب الرؤية في أفق المخبر بالخبر ، لاختلاف أفقه مع أفق السائل ، فيلزم الأخذ برؤية الهلال فيه بناء على عدم لزوم الاشتراك ؛ فعدم التعيين دليل على لزوم الاشتراك ، بالقياس الاستثنائي .
هذا آخر ما وفّقت لتحريره في هذه الموسوعة بتوفيق من الله تعالى .
وهي موسوعة ثالثة حرّرتها حول مسألة لزوم الاشتراك في الآفاق في رؤية الهلال في دخول الشهور القمريّة .
وراعيت فيها جوانب الجواب ، وسدّ ثغور ما توهّم أن يدخل فيها من كلّ باب .
وللّه الحمد وله المنّة عليّ ، على أن أخرجها طريّة نقيّة صافية قابلة لأن أرسلها إلى السيّد الأيّد الفقيه النبيه : أستاذنا المعظّم ( عليه من التحيّات أزكاها ومن الدعوات أنماها ) .
أشاهد معنى حسنكم فيلذّ لي * خضوعي لديكم في الهوى وتذلّلي
وأشتاق للمغني الّذي أنتم به * ولولاكم ما شاقني ذكر منزل
ونلت مرادي فوق ما كنت راجيا * فوا طربا لو تمّ هذا ودام لي « 1 »
عسى أن يقع مورد القبول ، وتبيّن له المقبول ، فهو غاية المسؤول ، ونهاية المأمول ؛ فالله ( تبارك وتعالى ) دعا أرباب العقول بقوله ( عزّ من قائل ) :
فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 2 » .
وفي الختام ندعو لك بدوام الصحّة والتوفيق ، والتأييد والتسديد ، وفيضان الرحمة الراحمة من نفسك الواسعة ، على الأمّة المرحومة ، الفرقة الناجية .
هامش
( 1 ) . ديوان ابن الفارض ، ص 213 .
( 2 ) . الزمر ( 39 ) : 17 - 18 .