وينبغي هاهنا الالتفات إلى أمرين . أحدهما : أنّ قوله
: « وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا »
جملة حالية . وثانيهما : كون الربا حراماً سابقاً قبل الاسلام وإنّما الاسلام أمضاه ، وإلّا لا وجه لعتاب أكلة الربا ووعدهم بالعذاب لأجل قولهم ذلك ، مع صدوره منهم قبل مجيء الاسلام ، كما صرّح بذلك في قوله تعالى
: « وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ » .
والنهي عن الأكل في الفقرتين كناية عن حرمة نفس الأخذ والتصرفات الأخرى في المال الربوي غير الأكل ؛ نظر إلى كون الأكل هو الغرض الغالب من بين أنحاء التصرفات ، فكُنّى به ، عن مطلق التصرفات ، كما في قوله تعالى
: « لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ . . . »
و
« الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً . . »
. وأما قوله
: « فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ . . . »
أي من بلغه حكم اللَّه وبيان حرمة الربا بالأمر والنهي فاتعظ وقبل حكم اللَّه وعمل به فأمر ثواب عمله وجزاء تركه الحرام إلى اللَّه . وقيل فأمر عصمته من الحرام والمعصية وخذلانه بالعود فيها بيد اللَّه ، ولكن الأوّل أظهر .
وأما احتمال كون المراد من مجيء الموعظة ، الاتعاظ وتأثير الوعظ ونفوذه في قلبه خلاف الظاهر ، وإلّا لا معنى لتعقيبه بقوله
: « فَانْتَهى . . . »
، فانّ الانتهاء هو الاتعاظ وقبول الوعظ والنهي . نعم فسّرت الموعظة في بعض النصوص المعتبرة بالتوبة ، كما في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر ، قال عليه السلام - بعد ذكر هذه الآية - : « والموعظة التوبة » « 1 » ولعله من باب إرادة المسبّب بذكر السبب .
ومنها : قوله تعالى
: « وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » .
« 2 » هذه
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة 18 : 130 ، كتاب التجارة ، أبواب الربا ، الباب 5 ، الحديث 7 .
( 2 ) - البقرة : 275 .