هذا الأمر لغواً وعبثاً ، إنّ على المسلمين أن يبقوا على أهبة الاستعداد لكي يخلقوا في نفوس الأعداء خوفاً وقلقاً يحولان دون ارتكاب أي اعتداء أو تعدّي ، ومن هنا كان وجوب الدفاع أمام الاعتداء الأجنبي أمراً مفروغاً منه ومسلماً بحسب دلالة الآية المباركة ، ولذلك أصدرت أمراً بالاستعداد والجهوزية .
الآية الرابعة :
«
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا »
« 1 » .
تنفي الآية الكريمة أيّ تسلّط للكافرين على المسلمين ، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم ، وقد اعتبر المفسرون والفقهاء الآية في مقام الإنشاء « 2 » ، بمعنى أنّ اللَّه سبحانه لم يجعل قانوناً يكون للكافر على المسلم فيه سلطة وولاية ، وهذا معناه أنّ على المسلمين العمل بالقوانين الإلهية ، وعن طريق ذلك ، الحيلولة دون قبولهم لأي تسلّط عليهم من قبل الأعداء .
وقد استنبط الفقهاء من هذه الآية - وغيرها - قاعدة « نفي السبيل » ونفوا بها في مباحثهم الفقهية مختلف أنواع الولاية والسلطنة للكافر على المسلم ، من قبيل زواج المرأة المسلمة من الرجل الكافر ، وملكية الكافر للعبد المسلم ، وعقد أي اتفاقية تفضي إلى تسلّط الكافرين على المسلمين ، ومانعية الكفر للإرث . . . وعشرات الموارد الأخرى « 3 » .
لم يعترف الدين الإسلامي بأيّة سلطة للكافر على المسلم ، بل طرح ولاية وعزّة الإسلام والمسلمين على الملل والمذاهب والأديان كافة ، قال تعالى : «
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ »
« 4 » .
ومن الطبيعي في هذا السياق أن يُمنع المسلمون من السماح بتسلّط الكافرين عليهم وعلى بلادهم الإسلامية ، لينقضوا بذلك أمر اللَّه ورسوله ، فرغم أنّ كلّ إنسان حرّ تكويناً ، إلّا أنّ المسلم ليس لديه حق - تشريعاً - في قبول سلطة الكافر عليه ، وهذا هو ما كانت عليه سيرة الفقهاء وأئمة الدين وزعمائه ، فقد أبدوا قبال أيّ قانون أو سياسة أو حركة يُشَمُّ منها رائحة
هامش
( 1 ) النساء : 141 .
( 2 ) الشيخ الطوسي ، الخلاف 5 : 146 ، ومير فتّاح المراغي ، العناوين 2 : 355 .
( 3 ) العناوين 2 : 350 - 351 .
( 4 ) المنافقون : 8 .