وبعد العلم الحاصل من المبادئ الحدسيّة لا يقنعون به ولا بما هو ظاهر في بادئ الأمر ، فقد يكون المتّهم من إخوان الشياطين ويظهر الباطل في لباس الحقّ ، والحقّ في لباس الباطل ، فيجتهدون لكشف الحال وتطبيقه على الموازين الشرعية .
ولهذا نرى بعض القضاة في عصر أمير المؤمنين عليه السّلام كانوا يحكمون بما يبدؤ لهم في بادئ الأمر وكان هو عليه السّلام - كما في روايات أبواب القضاء - يردّهم عن قضائهم بما يظهر له عند الفحص والتدقيق وكشف الحال بقوّة الابتكار .
الرابعة : قد مرّت الإشارة إلى أنّ إحقاق حقوق الناس يتوقّف على مطالبة صاحب الحقّ
، ونزيدك توضيحا هنا ليكمل شرح ما ذكره - قدس سره - في تحرير الوسيلة في ذيل المسألة بقوله :
ولا يتوقف ( أي إقامة حدود اللّه ) على مطالبة أحد ، وأمّا حقوق الناس فتتوقّف إقامتها على المطالبة حدّا كان أو تعزيرا ، فمع المطالبة له العمل بعلمه .
أقول : هذه المسألة معروفة بين الأصحاب ، بل قد ادّعى عدم الخلاف فيها وقد أوردها في الجواهر تبعا للشرائع في المسألة الخامسة من المسائل العشر التي أوردها في ذيل أحكام حدّ الزنا . « 1 »
والكلام فيها تارة من حيث الكبرى وأخرى من حيث الصغرى :
أمّا الأوّل فيدلّ عليه أوّلا : أنّه موافق للقاعدة ، وهي عدم نفوذ القضاء إلّا ما ثبت بالدليل ، فما لم يطالب ذو الحقّ لم ينفذ حكم القاضي .
وثانيا : كونه موافقا لكلمات الأصحاب كما قال في الرياض : « لا خلاف فيها ظاهرا ولا اشكال » . « 2 »
وثالثا : تدلّ عليه روايات متعددة .
1 - صحيحة الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : من أقرّ على نفسه عند الامام بحقّ
هامش
( 1 ) - جواهر الكلام ، المجلد 41 ، الصفحة 366 .
( 2 ) - الرياض ، المجلد 2 ، الصفحة 473 ، المسألة الثالثة من لواحق باب الزنا .