بقي هنا مسائل
الأولى : قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ القول بالتفصيل بين حدود اللّه وحدود الناس إنّما هو بمعنى كون حدود الناس تحتاج إلى المدّعى الخاص
وهو صاحب الحقّ ، فلا يجوز إجراؤها بدونه كما هو مذكور في أبواب حدّ السرقة والقذف .
وأمّا إذا كان هناك مدّعيا للحقّ وعلم القاضي من طريق الحس أو ما يقاربه بثبوت الحقّ للمدّعى ، فلا يبعد وجوب العمل به . وكذا إذا كان هناك حقوق للناس - خارجا عن دائرة الحدود - كما إذا كان النزاع في الولد أو المال أو غير ذلك ، وثبت بالقرائن المحسوسة التي يحصل اليقين منها لكلّ أحد عادة أنّ المال لزيد أو لعمرو جاز للحاكم الحكم به ، كما يشهد به كثير من الروايات السابقة ؛ فإنّها وردت في أبواب التنازع في الحقوق أو الأموال ، فإذن لا يبقى فرق بين الحدود والحقوق ، ولا بين حدود اللّه وحدود الناس ؛ لاتّحاد الدليل في البابين وإنّما الفرق في أنّ الأولى لا تحتاج إقامتها إلى شيء والثانية تتوقّف على المدّعى الخاصّ .
الثانية : قد يستثنى من القول بعدم الحجّية أمور
، قال في المسالك : إنّ من منع من قضاء القاضي بعلمه استثنى صورا :
منها : تزكية الشهود وجرحهم لئلا يلزم الدور والتسلسل . ( ومراده أنّ تزكية الشاهد لو احتاج إلى شاهدين آخرين ننقل الكلام إليهما ، وهكذا ، فإمّا أن يعود فيلزم الدور ، أو لا يعود فيلزم التسلسل ، فلا مناص من عمل القاضي بعلمه في عدالة الشاهد لا محالة .
ومنها : الإقرار في مجلس القضاء وإن لم يسمعه غيره ( فإنّه يعمل بعلمه فيه ) .
ومنها : العلم بخطاء الشهود يقينا أو كذبهم ( الحاصل من القرائن المختلفة ) .
ومنها : تعزير من أساء أدبه في مجلسه وإن لم يعلم غيره ، لأنّه من ضرورة إقامة أبّهة القضاء .