الأمر الثّالث : هل يعتبر عدم إمكان التفصّي في الإكراه من قبل الجائر بنحو من الأنحاء ، أم لا ؟ قيل أنّ فيه أقوالا ثلاثة : أحدها الاعتبار ، وثانيها نفيه مطلقا ، وثالثها التفصيل بين الإكراه على قبول نفس الولاية المحرّمة ، فلا يعتبر فيها التفصّي ويجوز قبولها ولو كان له طريق إلى المخلص ، والإكراه على سائر المحرّمات ، فيعتبر العجز عن الخلاص منه .
والأولى أن يتكلّم في اعتبار العجز عن التفصّي في مفهوم الإكراه لغة وعرفا على سبيل عامّ ، أعني أعمّ من الولاية وغيرها ، ثمّ نتكلّم في الولاية ، وانّ لها حرمة ذاتية أو عرضية كي يتّضح حالها .
أمّا الأوّل : فالظاهر أنّ اعتبار العجز عن التفصّي مأخوذ فيه عرفا ولغة ، فلو اكره شخص على شرب الخمر أو ترك واجب مثل إفطار الصوم الواجب ، وكان هناك مائع شبهه وعلى لونه يقدر على شربه عوضه ، أو كان يمكنه صبّه في جيبه وإظهار أنّه شربه ، أو كان هناك طريق إلى الفرار من هذا المجلس ، أو غير ذلك ، فلا شكّ أنّه لا يعدّ مكرها على شرب الخمر وغيره ، بل وكذلك إذا أمكنه التكلّم مع المكره وإرشاده أو بذل مال له والنجاة من يده فانّه من قبيل المقدور بالواسطة .
نعم إذا كان بذل المال مجحفا بحاله ، أمكن نفيه بأدلّة نفي الضرر ، وإلّا فلا ، وكذلك إذا كان حرجيا ، وهذا كلّه ظاهر .
أمّا الثّاني : أعني الولاية ، فلو كان قبول نفسها حراما لحرمتها الذاتية فاعتبار العجز عن التفصّي فيه ظاهر ، أمّا لو قلنا بعدم حرمتها ذاتا ، فيجوز قبولها حتّى بغير الإكراه فضلا عن إمكان التفصّي وعدمه .
وأمّا المحرّمات الاخر الملازمة لها ، فالكلام فيها هو الكلام في مثل الإكراه على شرب الخمر ، أو على إفطار الصوم الواجب ، ومنه يظهر حال ما نقل عن علي بن يقطين وأنّه كان يأخذ أموال الشيعة جهرا ويردّها عليهم سرّا ، فانّ التفصّي لم يمكن له ابتداء ، ولكن كان يمكنه بقاء ، فكان واجبا لعدم صدق الإكراه عليه .
ولعلّ ما يتراءى بينهم من الخلاف في ذلك نزاع في اللفظ ، وفي التعبير عن المطلب لا في نفسه .
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة ) — صفحة 400
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٠٠