والعقلاء يرى أنّ الأمر بالعكس ، وأنّ الأصل في البيع هو المعاطاة ، والبيع بالصيغة نشأ بعدها ، ولا سيّما مع ملاحظة كيفية بدء البيع والشراء وتاريخ تشريعهما بين العقلاء ، فحقيقة البيع والشراء هو الإعطاء الخارجي بقصد النقل والانتقال .
وأمّا الصورة الإنشائية منه فهي فرع له نشأت فيما بعد ، كما سيأتي شرحه إن شاء اللّه في أبواب المعاطاة .
ويؤيّد ما ذكرنا انّ رحى المعاملات غير الخطيرة جدّا تدور على المعاطاة ، فحينئذ يشكل فهم العموم من إطلاقات أدلّة الحرمة لمجرّد الإنشاء وليس هذا ادّعاء جزافيا كما توهّم .
وقد يورد إشكال الإطلاق بعينه على الوجوه الأخرى ، وإنّ إطلاق الأدلّة ينفي جميع هذه القيود ، ولكن الجواب ما عرفت من الانصراف ، ولكن يبقى الكلام في أنّ أي واحد من هذه القيود يعتبر في موضوع الحرام ، بعد نفي حرمة مطلق الإنشاء .
وهذا يدور مدار مقدار انصراف الإطلاقات ، فإنّ بعض هذه القيود أخصّ من بعض ، فانّ التسليم والتسلّم لا ينفكّان عادة عن قصد ترتيب الأثر المحرّم ، كما لا ينفكّان عن قصد ترتّب أثر المعاملة أيضا .
والاحتمال الخامس أقوى من الجميع ، وإن لم نر من صرّح به ، لا سيّما بملاحظة ما ذكرنا في حقيقة البيع عند أهل العرف .
هذا كلّه إذا قلنا بأنّ الحرمة النفسية التكليفية في المعاملات المحرّمة معلومة مقطوعة ، وأمّا لو شككنا فيه ، وقلنا أنّ الحرمة هنا أمر مقدّمي ، ولا ظهور للأدلّة في أزيد من ذلك ، فتسقط جميع الوجوه ، ويرجع الأمر إلى التحريم المقدّمي .
وتوضيح ذلك : إنّ الرّوايات الدالّة على حرمة المكاسب المحرّمة على طوائف :
الأولى : إنّ المصرّح به في كثير من روايات التحريم في المكاسب المحرّمة هو « حرمة الثمن » .
مثل ما رواه عمّار بن مروان قال : سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الغلول فقال عليه السّلام : « كلّ شيء غلّ من الإمام فهو سحت ، وأكل مال اليتيم وشبهه سحت ، والسحت أنواع كثيرة منها
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة ) — صفحة 21
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢١