بأحد الطرق المذكورة فليس هنا ما يدلّ على عدم مشروعيّتها ، إلّا ما يتوهّم من شمول قوله تعالى :
« وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ »
( « 1 » ) لهذا المعنى من الاستخارة ، بتقريب : أنّ المقصود من الاستقسام بالأزلام هو ما يفعله العرب في الجاهليّة ، فإنّهم كانوا يطلبون الخير وقسمة الأرزاق بالأزلام ، وهي السهام التي لا ريش لها ، فكانوا يتفأّلون بها في أمورهم ، ويطلبون ما هو الخير لهم من فعل أو ترك بتلك السهام في جميع أمورهم التي يريدون أن يأتوا بها ، من أسفارهم ومساكنهم ومراكبهم ومتاجرهم ومناكحهم وغير ذلك من مهمّاتهم ، وذلك بمراجعتهم تلك السهام المعيّنة التي كانت عند شخص بمنزلة السادن لتلك السهام المحترمة عندهم ، وكانت تلك السهام مكتوب على بعضها :
( أمرني ربّي ) ، وعلى بعضها الآخر :
( نهاني ربّي ) ، وبعضها لم يكتب عليه شيء .
فإذا أرادوا سفراً أو أمراً آخر يهتمّون به ضربوا على تلك السهام ، فإن خرج السهم الذي كتب عليه : ( أمرني ربّي ) يمضي في حاجته ، ويقدم على ذلك الأمر ، وإن خرج السهم الذي كتب عليه : ( نهاني ربّي ) لم يقدم على ذلك الأمر ، وإن خرج السهم الذي لم يكتب عليه شيء أعادوا العمل حتى يخرج أحد السهمين اللذين كتب على أحدهما الأمر وعلى الآخر النهي ، فيعمل على طبقه ( « 2 » ) .
ومن الواضح أنّه لا فرق بين هذا العمل وبين الاستخارة التي هي بمعنى استكشاف الخير والشرّ بأحد طرقه المذكورة ، وعليه فالعمل على طبق الاستخارة محرّم وفسق ؛ لقوله تعالى :
« ذلِكُمْ فِسْقٌ » ،
فإنّه إمّا راجع إلى قوله تعالى :
« وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ »
فقط أو يشمله في ضمن المذكورات في الآية .
ولكن هذا الاحتمال مردود ؛ لكونه مخالفاً لظهور الآية الشريفة في أنّ المراد هو حرمة قسمة اللحم بالمقامرة ، فإنّ ذلك هو مقتضى سياق الآية وأنّها بصدد بيان كيفيّة أكل اللحوم في عصر الجاهليّة ، وتمييز ما هو حلال منها وما هو حرام ، أي المذكّى وغير المذكّى ، ويتّضح ذلك بذكر تمام الآية الشريفة ، وهي قوله تعالى :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ »
( « 3 » ) ، وعليه فليس المراد بالاستقسام بعد هذه القرينة الواضحة إلّا استقسام اللحم قماراً .
وقد ورد التفسير بذلك فيما روي عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال في قول اللَّه تعالى :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ »
الآية : « الميتة والدم ولحم الخنزير معروف » ، إلى قوله :
« وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ »
قال : « كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّونه عشرة أجزاء ، ثمّ يجتمعون فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل ، والسهام عشرة : سبعة لها أنصباء ، وثلاثة لا أنصباء لها ، فالتي
هامش
( 1 ) المائدة : 3 .
( 2 ) انظر : جامع البيان 4 : 76 ، 77 . الكشّاف 1 : 604 .
( 3 ) المائدة : 3 .