الثاني ، وحيث إنّ كلّ واحد من اللحاظين حادث مسبوق بالعدم ، فجريان الأصل في أحدهما معارض بجريانه في الآخر .
وثانياً : أنّ هذا الأصل غير جارٍ في نفسه ؛ لأنّ عدم لحاظ الخصوصيّة لا يثبت الوضع للأعم إلّا على القول باعتبار الأصل المثبت ، وكذا العكس ( « 1 » ) .
ويمكن أن يوجّه جريان الاستصحاب بأنّ المراد به استصحاب انطباق المفهوم على الموجود الخارجي ، فالعذرة - مثلًا - إذا صارت فحماً يستصحب كون هذا الفحم الخاصّ عذرة ، فإنّه قبل الفحميّة كانت العذريّة ثابتة له ، فمع الشكّ فيها بعد الفحميّة تستصحب العذريّة فيحكم بالنجاسة لإحراز موضوعه تعبّداً .
إلّا أنّ هذا التوجيه غير وجيه ؛ لأنّ الخصوصيّة لو كانت مأخوذةً في المعنى الموضوع له كانت مقوّمة للصدق والانطباق ودخيلة في موضوعه ، بحيث إذا انتفت تلك الخصوصية انتفى الانطباق والاتّصاف لانتفاء موضوعه ، فمع الشكّ في دخالة هذه الخصوصيّة في الموضوع له يحصل الشكّ عند انتفائها في بقاء معروض الانطباق ، فلا يصحّ استصحاب الانطباق ؛ لعدم العلم ببقاء موضوعه ، فلا يحرز أنّه إبقاء للحالة السابقة ، بل يمكن أن يكون إسراءً للمستصحب من موضوع إلى آخر ( « 2 » ) .
وقد اتّضح إلى هنا أنّ الاستصحاب بأيّ نحو كان لا يجري في الشبهة المفهوميّة من الشكّ في الاستحالة ، فالمرجع حينئذٍ قاعدة الطهارة .
وأمّا إن كان الشكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة فالمرجع فيه أيضاً قاعدة الطهارة ؛ إذ لا يجري فيه الاستصحاب لا الحكمي ولا الموضوعي ، أمّا الحكمي - أي استصحاب النجاسة - فلأنّ الشكّ في الاستحالة وتبدّل الموضوع يوجب الشكّ في بقاء موضوع الحكم ، ويشترط في جريان استصحاب الحكم إحراز بقاء الموضوع وعدم الشكّ فيه .
وأمّا الاستصحاب الموضوعي - أي استصحاب نفس العنوان الذي تعلّق به حكم النجاسة كعنوان الكلبيّة - فهو أيضاً غير جارٍ ؛ لأنّ احتمال الاستحالة وتبدّل
هامش
( 1 ) المحاضرات 1 : 242 .
( 2 ) انظر : منتقى الأصول 1 : 345 .