مردود ؛ بأنّ الأمر حقيقة في الوجوب ، وقيام الدليل على خلافه في بعض الأوامر لا يستلزم انسحابه إلى ما لا معارض له ولا دليل على خلافه كما صرّحوا به ، وهل هو إلّا من قبيل العامّ المخصوص فإنّه يصير حجّة في الباقي ، وبما ذكرنا يظهر قوّة ما ذهب إليه المتقدّمون ، ويظهر ضعف ما ذكره في المختلف ( « 1 » ) من الاستناد في الاستحباب إلى الأصل ، فإنّه يجب الخروج عنه بالدليل ، والآية ( « 2 » ) مطلقة يجب تقييدها أيضاً به ( « 3 » ) .
وفي المستند : « وهو [ / القول بالوجوب ] قويّ جدّاً ؛ للرضوي المتقدّم .
ويجاب عن ضعفه بانجباره بما مرّ من الشهرة القديمة المحكيّة في الذكرى والإجماع المحكي » ( « 4 » ) .
ولكن نوقش في هذه الروايات بضعف بعضها دلالة كصحيحة البزنطي . وإمكان حملها على الاستحباب أو الإرشاد ؛ لعدم صراحة الجملة الخبريّة في الوجوب سيّما مع ورودها في سياق الأوامر المستحبّة ، مضافاً إلى عدم صلاحيّتها للاستدلال ؛ لما في ذيل بعضها من النظر إلى الإرشاد إلى ناقضيّة البلل المشتبه قبل البول .
وكذا مضافاً إلى خلوّ أكثر الأخبار الواردة في بيان الغسل من ذلك ، وضعف بعضها سنداً كخبر أحمد بن هلال والرضوي ، مضافاً إلى اشتمال الأولى على التفصيل الذي لم يعلم به قائل ، وهو اعتبار التفرقة بين النسيان وعدمه في إعادة الغسل ( « 5 » ) .
3 - قاعدة الاشتغال :
ففي الجواهر - بعد المناقشة في الاستدلال له بروايات إعادة الغسل بأنّها خلاف المدّعى - قال : « والأولى الاستدلال عليه - مضافاً إلى الشغل اليقيني في وجه وإجماع الغنية - بصحيحة أحمد ابن محمّد بن أبي نصر . . . » ( « 6 » ) .
وأجاب عنه بإمكان دعوى الإجماع على صحة الغسل بدونه للاتّفاق على أنّه لو أخلّ به ثمّ وجد بللًا بعد الغسل فإن علم أنّه مني أو اشتبه عليه وجب الغسل ، وإن علم أنّه غير مني فلا غسل كما في المختلف ( « 7 » ) وغيره ، فمنه يعلم إرادة الوجوب التعبّدي في كلام الفقهاء ، فيسقط الاستدلال بالشغل ( « 8 » ) .
وقرّره بعض المتأخّرين بقوله :
« . . . وهو [ الاستدلال بالاشتغال ] يتوقّف على شرطيّة البول في صحّة الغسل ، وكون وجوبه شرطيّاً وهو ممنوع ، وتفصيل ذلك أنّ وجوب الاستبراء بالبول على تقدير ثبوته يدور بين أن يكون شرطيّاً في صحّة الغسل بحيث يبطل الغسل مع عدمه أو يكون تعبّديّاً ، لكن لا سبيل إلى القول الأوّل ، بل لعلّه لا قائل به حيث إنّ القائلين بوجوبه لا يقولون ببطلان الغسل عند
هامش
( 1 ) انظر : المختلف 1 : 173 .
( 2 ) أي قوله عزّ وجلّ :« وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا »المائدة : 6 .
( 3 ) الحدائق 3 : 105 .
( 4 ) مستند الشيعة 2 : 341 .
( 5 ) انظر : مستند الشيعة 2 : 340 . جواهر الكلام 3 : 110 - 111 .
( 6 ) جواهر الكلام 3 : 110 . وسوف يأتي استبعاد أن يكون مراد الموجبين من الوجوب الوجوب التعبّدي ، وعلى كلّ حال يكفي في المناقشة هنا عدم إرادة الوجوب الشرطي ؛ لأنّ الاستدلال بالاشتغال يتوقّف عليه .
( 7 ) المختلف 1 : 173 .
( 8 ) جواهر الكلام 3 : 110 .