فيهما بل وفي غيرهما ممّا ورد في الاستبراء ؛ للحكم بعدم المبالاة بما يخرج بعد ذلك ، من هنا شكّك بعض الفقهاء في دلالتها على الاستحباب فضلًا عن الوجوب ، بل هي واردة للإرشاد كما سيأتي .
هذا كلّه مضافاً إلى منافاة القول بالوجوب لما يظهر من كثيرٍ من الروايات الواردة في الاستنجاء الدالّة على حصول الطهارة بدونه والخالية عن ذكر الاستبراء بالمرّة ، كصحيحة جميل عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « إذا انقطعت درّة البول فصبّ الماء » ( « 1 » ) ، وغيرها .
وكذا الروايات المشعرة بترك مولانا أبي عبد اللَّه وأبي الحسن عليهما السلام إيّاه :
ففي رواية روح بن عبد الرحيم قال :
بال أبو عبد اللَّه عليه السلام وأنا قائم على رأسه ومعي إداوة ( « 2 » ) - أو قال : كوز - فلمّا انقطع شخب ( « 3 » ) البول - قال بيده هكذا إليّ - فناولته الماء فتوضّأ مكانه ( « 4 » ) .
وفي رواية داود الصرمي قال : رأيت أبا الحسن الثالث عليه السلام - غير مرّة - يبول ويتناول كوزاً صغيراً ويصبّ الماء عليه من ساعته ( « 5 » ) .
نعم ، يمكن المناقشة في ذلك بأنّ هذه الروايات لا دلالة فيها على التعقيب والفوريّة على وجه ينافي الاستبراء ( « 6 » ) .
ثمّ إنّ مراد القائلين بالوجوب إن كان الوجوب التعبّدي فهو في غاية الضعف ؛ لما سمعت من ظهور الروايات والفتاوى في خلافه . وكذا ما إذا كان مرادهم وجوب إعادة الاستنجاء حتى فيما علم أنّ الخارج مذي أو وذي .
نعم ، يمكن أن يكون مرادهم الوجوب الطريقي بمعنى لزوم إعادة الاستنجاء والوضوء إن يظهر بلل مشتبه ؛ للحكم بكونه بولًا ظاهراً ، وهذا اتّفاقي ، فيرتفع الخلاف والنزاع حينئذٍ ( « 7 » ) .
وكذا لا يمكن أن يوصف بالوجوب الشرطي لما يتوقّف على الطهارة كالصلاة ونحوها ؛ لوضوح عدم اشتراط ذلك في تحقّق الطهارة بالوضوء إذا لم يخرج بلل بعد ذلك حتى إذا لم يستبرأ ، وقد نبّه عليه كاشف الغطاء ( « 8 » ) .
الثاني : الاستحباب ، وهو المشهور بين الفقهاء ( « 9 » ) ، بل في الجواهر : « لا خلاف فيه بين المتأخّرين » ( « 10 » ) . وفي المستند دعوى الإجماع عليه حيث لا يقدح مخالفة الشاذّ
هامش
( 1 ) الوسائل 1 : 349 ، ب 31 من أحكام الخلوة ، ح 1 .
( 2 ) الإداوة - بالكسر - : إناء صغير من جلد يتّخذ للماء . لسان العرب 1 : 100 .
( 3 ) الشخب : الدم ، وكلّ ما سال فقد شخب . لسان العرب 7 : 49 .
( 4 ) الوسائل 1 : 350 ، ب 31 من أحكام الخلوة ، ح 4 .
( 5 ) الوسائل 1 : 345 ، ب 26 من أحكام الخلوة ، ح 8 .
( 6 ) انظر : الحدائق 2 : 55 - 56 .
( 7 ) انظر : كشف اللثام 1 : 220 . جواهر الكلام 2 : 58 . مهذّب الأحكام 2 : 208 .
( 8 ) كشف الغطاء 2 : 155 .
( 9 ) المختلف 1 : 105 . المدارك 1 : 175 . كشف اللثام 1 : 220 . الطهارة ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 475 . مصباح الفقيه 2 : 103 . مهذّب الأحكام 2 : 208 .
( 10 ) جواهر الكلام 2 : 58 .