قيل والقائل غير واحد : إنّ المالك يغرّم أيّهما شاء للمباشرة والغصب ، لكن إن أغرم الغاصب لم يرجع على الآكل الذي هو مغرور له ، وإن أغرم الآكل رجع الآكل على الغاصب لغروره الذي صار به مباشرته ضعيفة بالنسبة للسبب ، فيكون قرار الضمان عليه .
وقيل : - وإن كنّا لم نتحقّق قائله منّا - بل يضمن الغاصب من رأس ، ولا ضمان على الآكل أصلًا ؛ لأنّ فعل المباشر ضعيف عن التضمين بمظانة الاغترار ، فكان السبب أقوى .
نعم ، هو قول الشافعي في القديم وبعض كتب الجديد . والمشهور عند الشافعية الأوّل ، وهو الأصحّ ؛ لأنّ ضعف المباشرة لا يبلغ حدّاً ينتفي به الرجوع عليه مع كونه متصرّفاً في مال الغير ومُتلفاً له على وجه يندرج في قاعدة ( من أتلف مال غيره فهو له ضامن ) . ولكن ينجبر غروره برجوعه على الغارّ ، بل لعلّ قوله عليه السلام : « المغرور يرجع على من غرّه » « 1 » ظاهر في ذلك » « 2 » . هذا كلّه في صورة الإذن في الإتلاف .
وأمّا لو أتلفه لا بإذن منه أو بإذن من الشارع ضمن المتلِف خاصّة ، وليس له الرجوع على من كان المال بيده إن غرّمه المالك لانتفاء الغرور عنه .
قال الشهيد الثاني : « لو أكله المالك بغير أمر الغاصب بأن دخل داره وأكله على اعتقاد أنّه طعام الغاصب فكان طعامه المغصوب برئ الغاصب ؛ لأنّه لم يغرّه .
ويشكل الأمر لو كان أكل المالك له سائغاً ؛ بأن كان في بيت من أذن له بالأكل منه شرعاً . والوجه استواؤهما في البراءة منه ؛ لانتفاء الغرور على التقديرين الذي هو مناط الرجوع » « 3 » .
لكنّه خروج عن الفرض .
نعم ، لا بدّ من تقييد الحكم بما إذا كان للغرور تأثير في قيام المغرور بإتلاف
هامش
( 1 ) لم نعثر على هذا النص من أحد المعصومين عليهم السلام في كتب الخاصة والعامة إلّا انّه قاعدة فقهية مستفادة من عدّة روايات ، راجع الوسائل 21 : 220 ، ب 7 من العيوب والتدليس ، ح 1 . الوسائل 21 : 212 ، ب 2 من العيوب والتدليس ، ح 2 . والمستدرك 15 : 45 ، ب 1 من العيوب والتدليس ، ح 2 .
( 2 ) جواهر الكلام 37 : 142 - 145 .
( 3 ) المسالك 12 : 157 .