ثمّ إنّ الإبطال في الأعمال له إطلاقات عديدة :
1 - فقد يطلق إبطال العمل بمعنى إفساد أجره وزوال الثواب عليه ، وجُعِل منه « 1 » قوله تعالى :
« لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى »
« 2 » .
2 - وقد يطلق بمعنى نقض العمل أو رفع أثره بقاءً كما في إبطال الوضوء بالنوم أو غيره من موجبات الحدث « 3 » .
3 - وقد يطلق بمعنى إفساد العمل نفسه كما في قولهم إبطال الصلاة والحج والعقد .
ولا شك في أنّ الاطلاقين الأوّلين فيهما عناية بخلاف الثالث ؛ لأنّ ظاهر إضافة الإبطال إلى عمل نسبة البطلان إلى العمل نفسه بمعنى إفساده وجعله باطلًا ، لا إبطال الثواب عليه أو رفع أثره أو نقضه ، فظاهر اللفظ يقتضي حمله على المعنى الثالث ، وهذا المعنى يتصوّر بنحوين :
الأوّل : أن يراد بالابطال إيقاع العمل على وجه باطل منذ البداية لا إيقاعه صحيحاً ثمّ إبطاله ، فيكون نظير القول :
( ضيّقْ فَم الركيّة ) بمعنى أوجِده ضيّقاً ابتداءً لا تضييقه بعد السعة « 4 » .
وهذا المعنى فيه نحو عناية أيضاً إلّا انّها أخفّ ممّا تقدّم .
النحو الثاني : أن يراد بالإبطال إفساد ما وقع صحيحاً من العمل قبل الاتيان بما يفسده ، فالصلاة أو الحج أو العقد قبل حصول المبطل كانت صحيحة وإنّما بطلت بسبب تحقق موجب البطلان والفساد .
فيكون الاطلاق بلا عناية ، والظاهر أنّ هذا المعنى هو المقصود من الإبطال في مصطلح الفقهاء « 5 » .
وقد يناقش في ذلك : بأنّ عنوان العمل الذي هو اسم للمركّب من عبادة أو معاملة لم يتحقق بعدُ في الخارج ، فإذا أريد إضافة الإبطال إلى العمل بمعنى المركّب التام فهو غير حاصل لكي يطلق عليه الإبطال وينسب إليه حقيقة ، وإذا أريد إضافته إلى
هامش
( 1 ) زبدة البيان : 273 . وانظر : عوائد الأيّام : 428 .
( 2 ) البقرة : 264 .
( 3 ) انظر : فرائد الأصول 2 : 377 . مستند العروة ( الصلاة ) 4 : 553 و 5 : 128 .
( 4 ) الغنائم 3 : 225 . الصوم ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 242 - 243 .
( 5 ) انظر : فرائد الأصول 2 : 377 . التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 9 : 59 . مستند العروة ( الصلاة ) 4 : 553 .