[ 6 ] الاكتمال والنضج :
وهذا الدور هو امتداد للدور المتقدم واستمرار لنفس المنهج الفقهي الذي أرست وثبّتت مبانيه مدرسة الوحيد البهبهاني وتلامذته الفقهاء العظام ، إلّا انّه قد بلغ هذا المنهج عبر جيلين من فقهاء هذه المدرسة - وعلى يد أحد الأفذاذ منهم وهو الشيخ الأنصاري قدس سره [ ت / 1281 ه ] - القمّة في النضج والعمق والشمول بحيث يمكن اعتباره عصراً جديداً في تاريخ الفقه وأصوله ، كما يتضح ذلك من المقارنة بين كتابي هذا الفقيه العظيم في الفقه والأصول المكاسب في فقه المعاملات وفرائد الأصول مع مصنفات في نفس الموضوع لفقهاء هذه المدرسة قبل الشيخ ، فإنّ الفارق بينهما يعد فارقاً كبيراً في المضمون والمنهجية وصناعة الاستدلال ؛ حيث استطاع الشيخ الأعظم أن يوسّع من المنهج الأصولي الذي أسّسه الوحيد البهبهاني وتلامذته فيستحدث نظريات جديدة ، ويضع مصطلحات حديثة ، ويبرز أصالة المنهج الأصولي ويلقي الضوء على مسائل وقواعد أصولية كانت مغفولًا عنها ، أو تبحث بصورة مختصرة قبل ذلك ، وقد سمّيت بمباحث الأصول العقلية في قبال الأصول اللفظية ، وبهذا قسّمت بحوث أصول الفقه إلى قسمين رئيسين :
مباحث الألفاظ ، وهي التي ترتبط بتحديد وتنقيح دلالات الدليل اللفظي ، والتي ينبغي أن يرجع فيها عموماً إلى العرف واللغة .
والمباحث العقلية ويقصد بها البحث عن الحجج العقلية أو الشرعية المقرّرة في موارد القطع أو الظن أو الشك في الحكم الشرعي ، وفيها بحوث جليلة عميقة ورائعة أيضاً .
وهذا التقسيم لا يزال متّبعاً في الدراسات الأصولية الحديثة رغم إجراء تعديلات وتقسيمات إضافية في إطاره سوف نشير إليها .
كما انّ منهج الاستدلال الفقهي لدى الشيخ الأعظم قدس سره - خصوصاً في فقه المعاملات والعقود - تميّز بتطوّر كبير في متانة العرض ومنهجيته وفصله للبحوث والقواعد العامّة للعقود عن مصاديقها وأنواعها ، والأحكام الخاصّة بكل عقد .
كما انّه يمتاز بقوّة الاستدلال والصناعة الفقهية والتوجّه إلى استدلالات لم تكن معهودة قبل