3 - ولم نعثر فيمن جاء بعد العلّامة على من تابعه في تفصيله ، بل كان الموقف السائد هو الصحة حتى مع الانحصار ، بل ذهب بعضهم إلى توسعة دائرة الصحة حتى فيما لو كانت الطهارة برمس العضو في الآنية فضلًا عن الاغتراف والصبّ منها « 1 » .
هامش
الماء على العضو ؛ وذلك يحصل بعد انفصاله عن الاناء . وقال بعض الحنابلة : لا تصحّ ؛ لأنّه استعمل المحرّم في العبادة ، فلا تصحّ كالصلاة في الدار المغصوبة .
وهو خطأ ؛ لأنّ انتزاع الماء من الاناء ليس جزءاً من الوضوء ، والطهارة إنّما تقع بعد انقضاء ذلك الاستعمال ، فيكون كما لو قهر غيره على تسليم ثوب نفسه ليستتر به في الصلاة ، والتصرّف جزء من الصلاة في الدار المغصوبة ، وهو منهي عنه ، فلهذا بطلت .
تذنيب : لو جعل آنية الذهب والفضّة مصبّاً لماء الوضوء ينفصل الماء عن أعضائه إليه لم يبطل وضوؤه ؛ لأنّه قد رفع الحدث قبل وقوعه في الاناء .
وبعض الحنابلة أبطله ؛ لما فيه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء . وهو غلط ؛ لأنّ فعل الطهارة حصل قبل وصول الماء إلى الاناء » .
( وانظر : المغني ؛ لابن قدامة 1 : 63 . وانظر أيضاً : الشرح الكبير المطبوع ضمن المغني 1 : 58 - 59 . الانصاف 1 : 81 ) .
وقال في المنتهى ( 3 : 325 ) : « لو توضّأ من الآنية أو اغتسل صحّت طهارته ، وبه قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي ، خلافاً لبعض الحنابلة » . ثمّ قال : « ولو قيل : إنّ الطهارة لا تتمّ إلّا بانتزاع الماء المنهيّ عنه ، فيستحيل الأمر بها ؛ لاشتمالها على المفسدة كان وجهاً » . وانظر : ( المغني 1 : 63 . الشرح الكبير المطبوع ضمن المغني 1 : 58 . الامّ 1 : 10 . المجموع 1 : 251 ) .
وحمل هذا الكلام على صورة الانحصار على ما سيأتي .
( 1 ) قال الشهيد الأوّل في البيان ( 52 ) : « لو كان الإناء مغصوباً أو آلة الصبّ غصباً أو ذهباً أو فضّة أو كان أحدهما مصبّاً للماء فالوجه الصحّة وإن أثم » .
وقال أيضاً في البيان ( 97 ) : « لو تطهّر من إناء الذهب أو الفضّة أو صبّ به أو جعله مصبّاً لماء الطهارة صحّت وإن فعل حراماً ؛ لخروجه عن حقيقة الطهارة » .
وقال في الدروس ( 1 : 128 ) : « ولا تبطل الطهارة منه أو فيه » .
وقال في الذكرى ( 1 : 148 ) - في بحث الأواني - : « لا تبطل الطهارة منها ولا فيها وإن حرم ؛ لأنّ النهي عن أمر خارج ؛ إذ أخذ الماء ليس جزء من الطهارة ؛ إذ الشروع فيها بعد وضعه على العضو ، وصبّ الماء فيها أبلغ في الخروج عن الطهارة » .
وقال ابن فهد ( الموجز ، الرسائل العشر : 42 ) : « ويبطل [ / الوضوء ] بإيقاعه في مغصوب ، لا خارجاً أو جعله مصبّاً أو اغترف منه كآنية النقدين ، لا أن غسلها فيها » .
وشرحه ابن مفلح الصيمري ( كشف الالتباس 1 : 168 ) بقوله : « أقول : هنا مسائل :
الأولى : يبطل الوضوء في المغصوب ؛ لكونه منهيّاً عنه ، والنهي في العبادة يدلّ على الفساد . ]
الثانية : لو ضاق الوقت وهو في المغصوب ، جاز فعله وهو خارج ، وأشار إليه بقوله : ( لا خارجاً ) .
الثالثة : لو جعل المغصوب مصبّاً للماء المنفصل من أعضاء الطهارة ، لم يبطل وضوؤه ؛ لارتفاع الحدث قبل وقوع المنفصل في المغصوب ، واستعمال المغصوب إنّما حصل بوقوع المنفصل فيه ، وذلك خارج عن فعل الطهارة ، فلا تكون الطهارة منهيّاً عنها ، فتقع صحيحةً .
الرابعة : لو اغترف الماء المباح من المكان المغصوب ، لم يبطل وضوؤه ؛ لأنّ اغتراف الماء من المكان ليس جزءاً من الطهارة ، والطهارة إنّما حصلت بعد انقضاء ذلك الاغتراف المنهي عنه ، فتقع صحيحةً .
الخامسة : حكم آنية النقدين لو جعلها مصبّاً أو اغترف منها حكم المغصوب ، تصحّ طهارته وإن فعل حراماً ؛ لكون الفعل المنهي عنه غير مقارن لشيء من أفعال الطهارة .
أمّا لو غسل الأعضاء أو بعضها في الآنية المغصوبة أو آنية النقدين ، فإنّ الطهارة تبطل ؛ لمقارنة بعض أفعال الطهارة لاستعمال المنهي عنه ، فيبطل ذلك البعض ، وإذا بطل البعض ، بطل الكلّ ؛ لأنّ الكلّ عدم عند عدم جزئه ، وإليه أشار بقوله : ( لا أن غسلها فيها ) » .