لارتكبوا كلّ ما فيه هواهم ، ودخلوا فيما يدعوهم إليه أنفسهم ، وإنّ النفس لأمّارة بالسوء ، مختارة للباطل ، إلّا من وفّقه اللّه ورحمه ، فأصبحت الشريعة مندرسة ، ورأيت كافّة الناس في لجج الفواحش منغمسة .
ويبيّن ذلك ما ذكره الفضل بن شاذان رحمه اللّه في العلل « 1 » التي ذكرها ، وذكر في آخرها أنّه سمعها من الرضا - صلوات اللّه وسلامه عليه - مرّة بعد مرّة وشيء بعد شيء ، وجمعها وأطلق لعليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري روايتها عنه عن الرضا عليه السّلام .
وقد رواها الصدوق رحمه اللّه في العيون « 2 » في الباب الأربع والثلاثين - عن عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس النيسابوري العطّار بنيسابور ، عن أبي الحسن عليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري ، عن الفضل بن شاذان .
ورواه أيضا عن الحاكم أبي محمّد جعفر بن نعيم بن شاذان رحمه اللّه عن عمّه أبي عبد اللّه محمّد بن شاذان ، عن الفضل بن شاذان . وقد أورده في علل الشرائع بأوّل السندين .
وهذه العلل كثيرة طويلة .
وموضع الحاجة منها أنّه قال :
فإن قال قائل في العلل : فلم جعل أولي الأمر ، وأمر بطاعتهم ؟ قيل : لعلل كثيرة :
منها : أنّ الخلق لما وقفوا على حدّ محدود ، وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحدّ لما فيه من فسادهم ، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلّا بأن يجعل عليهم فيه أمينا يمنعهم من التعدّي والدخول فيما حظر عليهم ؛ لأنّه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعته لفساد غيره ، فجعل عليهم قيّما يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام .
ومنها : أنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلّا بقيّم فيهم ورئيس ، لما لا بدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا ، فلم يجز في حكمة الحكم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لا بدّ لهم منه ولا قوام لهم إلّا به ، فيقاتلون فيه عدوّهم ويقسمون به فيهم ، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم ، ويمنع ظالمهم من مظلومهم .
هامش
( 1 ) . العلل 1 : 275 باب علل الشرائع وأصول الأحكام ب 182 ح 9 . مع اختلاف يسير .
( 2 ) . عيون أخبار الرضا : 2 : 121 / 2 و 3 .