وممّا ذكر من اختصاص البحث بما إذا كان القاضي ملتفتاً إلى نيّة الراشي والمُهدِي ، يعلم ضعف ما أفاده في الجواهر من الإشكال في الضمان مع التلف ، فيما إذا كانت الرشوة من الأعمال التي تبرَّع بها الراشي ونحوه ممّا لا بد فيه للمرتشي ولا أمر بالعمل « 1 » . اللّهم إلّا أن يُفصَّل كما احتملناه في الدورة السابقة بين العين والمنفعة بأنّ الراشي لمّا كان هو المقدم عرفاً فهو المتلف فلا يملك على المرتشي شيئاً من العمل . ومع ذلك فللنظر فيه مجال لأنّه لم يملّكه إلّا في مقابل الحكم له الذي طرده الشارع وعدّه فاسداً ولم يملّكه مجّاناً فيدخل تحت قاعدة « ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » ، لا العكس .
الأمر الثامن : في الفرق بين الهدية والرشوة
إنّ ما يبذل للقاضي والعامل والظالم ، ينقسم إلى الرشوة والهدية والظاهر أنّ الفرق بينهما جوهري يتفارقان به لا بالقصد ، والاختلاف في القصد تابع للاختلاف الماهوي ، فلو كان البذل في مقابل العوض ، بأن يذكر أو يضمر بأنّ هذا مقابل ذاك فهو رشوة ، وإلّا فإن كان البذل بلا عوض بأن كان ناشئاً عن عاطفة قلبية أو رابطة رحمية أو غير ذلك ، فهو هدية .
وبعبارة أُخرى : أنّ الطريق الصحيح لاستكشاف الفرق بين الرشوة والهدية هو الدقّة في الفرق بين البيع والهبة غير المعوَّضة فإنّ الفرق بينهما جوهري في عالم الاعتبار ، لا بالقصد والنيّة ، حتى ولو اختلف القصد ، فإنّما هو لأجل اختلاف المقصود بالذات ففي البيع التزام بشيء ، ليس في الهبة ، ولأجل ذلك يقصد البائع مبادلة مال بمال ولا يقصده الواهب . وإنّما يقصد أصل البذل بلا عوض . ومثله الرشوة والهدية فالراشي سواء دفعه صريحاً باسم الرشوة ، أو ألبس عليها لباس الهدية فإنّما يبذل في مقابل التزام بما يرجع إلى المحاكمة والمرافعة بخلاف ما إذا
هامش
( 1 ) النجفي : الجواهر : 40 / 133 .