لأنّ ترك المرافعة والقضاء ، يؤدي إلى تضييع الحقوق والأموال وإيقاف الأمر إلى التمكّن من المجتهد ، لا ينفع إذا طال الزمان وما زالت الشكاوى والدعاوي تترى وتتزايد وشدّ الرحال إلى المجتهد النائي أمر مشكل وعندئذ فإذا كانت الشبهة موضوعية ، يعمل بقواعد « المدّعي والمنكر » ( التي مارسها مدّة على أيدي القضاة المهرة ) . وإذا كانت الشبهة حكمية مثل منجزات المريض وثبوت الشفعة إذا كانت الشركاء أزيد من ثلاثة ، وتحريم عشر رضعات فبما أنّ القضاء فيها لا يحتاج إلى إقامة بيّنة وجرحها وتعديلها يكفي العثور على رأي المجتهد والحكم على وفقه .
وإن شئت قلت : إنّ الشرط هو الصدور عن الكتاب والسنّة ، فلا مانع من سقوط شرطيته عند الاضطرار وفقد القائم به .
فإن قلت : إنّ القضاء في الشبهات الحكمية والموضوعية لا يخلو عن إفتاء بالحكم الكلي أو الإفتاء بالحكم الجزئي وليس العامي أهلًا له .
قلت : يظهر حلّه بعد بيان ما تجب على العامي مراعاته من باب الاحتياط والأخذ بالقدر المتيقّن وإليك بيانها :
الأوّل : إذا قلنا بسقوط شرطية الاجتهاد في حال الاضطرار لكن القدر المتيقّن للجواز هو العامي الذي ينصبه المجتهد لذلك المقام . وذلك لا لوجود الدليل على الشرطية ( لما عرفت من أنّه لا يجوز نصب العامي للقضاء في حال الاختيار ) بل لاحتمال مدخلية نصب المجتهد في هذه الحالة ، دفعاً للهرج والمرج وحفظاً لنظام القضاء على الحدّ الممكن .
الثاني : للتأكد من إصابة الحقّ ، والتجنب من الاشتباه يلزم عليه التشاور في القضاء والسؤال عن سائر العارفين بالقضاء فإنّ الرأي الصادر عنده أقرب إلى الحقّ وألصق بالواقع ، وحقّ الرأي للمنصوب فقط .
نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء — صفحة 102
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٠٢