تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الأربع — صفحة الرسالة الثالثة 38

مساهمون:

صالرسالة الثالثة ٣٨

في تصدّي المقلّد للقضاء :

يتصوّر تصدّي المقلّد لأمر القضاء على أنحاء ثلاثة : الأوّل : أن يستقلَّ في القضاء بلا نصب من جانب من له أهليّة الفتوى ولا وكالة منه ، بل يقضي على طبق رأي مقلَّده . الثاني : أن ينصّب من جانبه لهذا الأمر الخطير . الثالث : أن يوكّله في القضاء . والفرق بين الأخيرين واضح ، فإنّ القضاء في الثاني عمل نفس القاضي ، بخلاف الثالث فإنّه عملُ نفس من نصّبه كما هو الحال في جميع موارد الوكالة . ثمَّ إنّ أمر القاضي ونهيه يختلف بالقياس إلى أمر الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر ، فإنّ الأمر والنهي في الثاني إرشاد إلى ما هو تكليف الغير الثابت عليه ، مع قطع النظر عن أمر الآمر ونهي النّاهي ، وفي هذا المجال المجتهد والمقلّد سواء ، يجوز لكلّ منهما أمرُ الغير ونهيه إرشاداً إلى تكاليفه الثابتة مطلقاً ، وهذا بخلاف أمر القاضي ، فإنَّ ما يحكمُ به ليس تكليفاً للغير مع غضّ النظر عن حكمه ، وإنّما يكون تكليفاً له بعد الحكم والقضاء . مثلًا : لو اختلف العامل والمالك ، فادّعى العامل ردّ رأس المال وأنكره المالك ، فحكم القاضي بأنّ القول قول المالك حينئذ يتنجّز على العامل دفعُ العين مع وجودها وإلّا فعليه دفع المثل أو القيمة سواء دفع المال في الواقع أو لا ، وهذا الإلزام جاء من جانب القاضي بحكمه ، ولم يكن ثابتاً من قبل ، وبما أنّه خلاف القاعدة - إذ أنّ الأصل عدم حجيّة رأي أحد في حق أحد ونفوذه - احتاج نفوذه إلى الدّليل وقد عرفت وجود الدليل وثبوته في المجتهد المطلق والمتجزّي الذي استنبط شيئاً معتدّاً به . وإنمّا الكلام في المقلِّد ، ويقع أوّلًا في النحو الأوّل ثمّ النحوين الآخرين .