تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلوغ ، حقيقته ، علامته وأحكامه ( وتليه رسالة في تأثير الزمان والمكان على استنباط الأحكام ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
الخلفاء للكتاب والسنّة قائلا بأنّ للحاكم الأخذ بالمصالح وتفسير الأحكام على ضوئها ، ولنقدّم نموذجا . دلّ الكتاب والسنّة على بطلان الطلاق ثلاثا ، وانّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الأخرى ، يتخلّل بينها رجوع أو نكاح ، فلو طلّق ثلاثا مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلّا طلاقا واحدا . وقد جرى عليه رسول اللّه والخليفة الأوّل وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلم لا يمضي من الطلاق الثلاث إلّا واحدة منها ، وكان الأمر على هذا إلى سنتين من خلافة عمر ، فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم . « 1 » إنّ من المعلوم انّ استخدام الرأي فيما فيه نص من كتاب أو سنة ، أمر خاطئ ، ولو صحّ استخدامه فإنّما هو فيما لا نصّ فيه ، ولمّا كان ذلك يمسّ كرامة الخليفة جاء الآخرون يبرّون عمله بتغيّر الأحكام ، بالمصالح والمفاسد ، ويعد ابن القيم أحد المتحمّسين لهذا الموضوع فقال : لمّا رأى عمر بن الخطاب انّ مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق لا تندفع إلّا بإمضائها على الناس ، ورأى مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الإيقاع ، أمضى عمل الناس وجعل الطلاق ثلاثا ثلاثا . « 2 » يلاحظ عليه : أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان ، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد ، وأمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق
هامش
( 1 ) . مسلم : الصحيح : باب الطلاق الثلاث ، الحديث 1 . ( 2 ) . أعلام الموقعين : 3 / 48 .
البلوغ ، حقيقته ، علامته وأحكامه ( وتليه رسالة في تأثير الزمان والمكان على استنباط الأحكام ) — صفحة 98 | الشيخ جعفر السبحاني