تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
فالآية لا تدلّ على جواز الرؤية يوم القيامة بتاتاً ، وذلك لوجوه : الأوّل : انّه سبحانه نسب النظر إلى الوجوه لا إلى العيون ، فلم يقل عيون يومئذ ناظرة
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
، بل قال : (
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ
) ، فلو كان المراد الجدي هو الرؤية الحسّية لكان المتعيّن استخدام العيون بدل الوجوه ، وأنت لا تجد في الأدب العربي قديمه وحديثه مورداً نسب فيه النظر إلى الوجوه وأُريدت به الرؤية الحسية بالعيون والأبصار ، بل كلّما أُريد منه الرؤية نسب إلى العيون أو الأبصار . يقول سبحانه : (
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
) . « 1 » وقال سبحانه : (
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها
) . « 2 » وقال سبحانه : (
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ
) . « 3 » فأداة الرؤية في القرآن الكريم هي العين والبصر لا الوجه ، يقول سبحانه : (
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
) . « 4 » الثاني : نحن نوافق المستدلّ بأنّ النظر إذا استعمل مع إلى يكون بمعنى الرؤية ، لكن ربّما تكون الرؤية كناية عن معنى آخر ، فعندئذ يكون المقصود الحقيقي هو المكنّى عنه لا المكنّى به . مثلًا إذا أردنا وصف زيد بالجود يقال : « زيد كثير الرماد » ، فالمعنى اللغوي ذم حيث يحكي عن كثرة النفايات في الدار ، ولكن المعنى المكنّى عنه الذي هو المتبادر العرفي هو مدح يحكي عن جوده وسخائه ، فالعبرة في تفسير الآية هو المراد الجدي لا المراد الاستعمالي .
هامش
( 1 ) آل عمران : 13 . ( 2 ) الأعراف : 179 . ( 3 ) النور : 31 . ( 4 ) المؤمنون : 87 .
الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 241 | الشيخ جعفر السبحاني