إنّ نفي هذه القدرة والاستطاعة ممّا يأباه العقل والحس ، وأمّا إثبات قدرة لا أثر لها بوجه ، فهو كنفي القدرة أصلًا . وأمّا إثبات تأثير في حالة لا يفعل ، فهو كنفي التأثير ، فلابدّ إذاً من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق ، فإنّ الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم ، والإنسان كما يحسُّ من نفسه الاقتدار ، يحسّ من نفسه أيضاً عدم الاستقلال . فالفعل يستند وجوده إلى القدرة ، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب ، كنسبة الفعل إلى القدرة ، وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتّى ينتهي إلى مسبب الأسباب ، وهو الخالق للأسباب ، ومسبباتها - المستغني على الإطلاق - فإنّ كلّ سبب مهما استغنى من وجه ، محتاج من وجه ، والباري تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر . « 1 »
قال الشهرستاني بعد ما نقل كلامه هذا : وهذا الرأي إنّما أخذه من الحكماء الإلهيّين ، وأبرزه في معرض الكلام . وليس تختص نسبة السبب إلى المسبّب - على أصله - بالفعل والقدرة ( قدرة الإنسان ) بل كلّ ما يوجد من الحوادث فذلك حكمة ، وحينئذ يلزم القول بالطبع وتأثير الأجسام في الأجسام إيجاداً ، وتأثير الطبائع في الطبائع إحداثاً ، وليس ذلك مذهب الإسلاميّين ، كيف ، ورأي المحقّقين من العلماء أنّ الجسم لا يؤثر في الجسم . « 2 »
هذا هو ما علّقه الشهرستاني على كلام إمام الحرمين وآخذه عليه ، وهو غير صحيح . فإنّ المراد من العلّية الطبيعية بين الأجسام والمظاهر المادية ، ليس هو الإيجاد والإحداث من كتم العدم ، بل المراد هو تفاعل الأجسام والطبائع ، بعضها
هامش
( 1 ) الملل والنحل : 1 / 9998 .
( 2 ) المصدر نفسه .