تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
قال : « لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهرين بالحق » . وقال علي - كرم اللّه وجهه - : « لا تخلو الأرضُ من قائم للّه بحجّة ، لئلّا تبطل حججُ اللّه وبيّناته » فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأُمّة قائم بالحقّ في ذلك الحكم ، لأنّهم بين ساكت ومخطئ ، ولم يكن في الأرض قائم للّه بحجّة في ذلك الأمر ، ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر . « 1 » أقول : أمّا الحديث الأوّل فيدلّ على وجود طائفة ظاهرين بالحقّ من أُمّته ، ولكن من أين نعلم أنّهم هم الصحابة ؟ فانّ الأخبار عن الكبرى لا تثبت الصغرى ، أي كون القائمين بالحقّ‌هم الصحابة ، فليكن التابعين لهم بإحسان . وأمّا الحديث الثاني فيدلّ على وجود القائم بالحقّ بين الأُمّة في كلّ الأزمنة والأعصار لا الناطق بالحقّ ، وشتان ما بين القائم بالحقّ والناطق بالحقّ ، والقائم بالحقّ بطبيعة الحال يكون ناطقاً ، ولكن ربما يكون مضطراً للسكوت خوفاً من حكّام الجور ، فلا يكون سكوت الأُمّة دليلًا على إصابة الصحابي الناطق وكونه القائم بالحقّ .

وجود المخالفة بين الصحابة

إنّ تاريخ التشريع حافل بنماذج كثيرة من مخالفة صحابي لصحابي آخر حتى بعد سماع كلامه وقوله ، فلو كان قول الصحابي نتاجاً للسماع لما جاز لآخر أن يخالفه ويقدّم رأيه على قوله ، فإنّه يكون من قبيل تقديم الرأي على النصّ ، وهذا يعرب على أنّ قول الصحابي لا يساوق سماعه عن النبي ، بل أعمّ‌منه بكثير ، وهذا
هامش
( 1 ) أعلام الموقعين : 4 / 150 ، فصل جواز الأخذ بفتاوى الصحابة .