هذا ويقول المحقّق الفقيد : السيد محمد تقي الحكيم بعد نقل هذا : وإذا صحّ هذا - وهو صحيح جدّاً ، لأنّ التاريخ لم يحدثنا عنه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - أنّه كان يجمع الصحابة جميعاً ، ويبلّغهم بكلّ ما يجد من أحكام ، ولو تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهما من السنّة - فماذا يصنع من يريد التمسك بسنّته من بعده ولنفترضه من غير الصحابة ؟
أيظل يبحث عن جميع الصحابة - وفيهم الولاة والحكام ، وفيهم القواد والجنود في الثغور - ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام ؟ أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين وهو لا يجزيه ، لاحتمال صدور الناسخ أو المقيِّد أو المخصِّص أمام واحد أو اثنين ممّن لم يكونوا بالمدينة ؟ والحجية - كما يقول ابن حزم - : لا تتقوّم إلّا بهم .
والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصِّصه أو مقيِّده ، ما دمنا نعلم أنّ من طريقة النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة ، فالإرجاع إلى شيء متشتّت وغير مدوّن تعجيز للأُمّة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية .
وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة إلى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبياً ، فما رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح ، وانتشار الإسلام ، ومحاولة التعرف على أحكامه من قِبَل غير الصحابة من رواتهم ، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث للأغراض السياسية أو الدينية أو النفسية ؟
ومثل هذه المشكلة هل يمكن أن لا تكون أمامه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - وهو المسؤول عن وضع الضمانات لبقاء شريعته ما دامت خاتمة الشرائع ؟ !
إنّ الشيء الطبيعي أن لا يفرض أيَّ مصدر تشريعي على الأُمّة ما لم يكن
الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 399
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٩٩