وحيث جاء الاحتمال وشككنا في مدخليّة كلّ واحد من الأمرين في صدق الارتداد الفطريّ ، لا يمكن الاكتفاء بأحدهما ، بل لا بدّ في فطريّة الارتداد أن يكون والداه أو أحدهما مسلماً حين الانعقاد والولادة معاً ، وهذا لوجوب الموافقة القطعيّة في العلم الإجمالي إذا دار الأمر بين المتباينين .
الجهة الثانية : من لاحظ ما مرّ في بعض النصوص من كلمة « الرجل » ، « المسلم » ،
« من كان من المسلمين » ، « بدّل » ، « غيّر » ، « ارتدّ » ونحوها ممّا لا يصدق على غير البالغ ، يظهر له أنّه يعتبر في تحقّق الارتداد الفطريّ مضافاً إلى القيدين السابقين أن يصف الإسلام حين البلوغ ، ولا يكفي صرف الإسلام الحكميّ كما أشار إليه صاحب الجواهر رحمه الله أيضاً « 1 » ، وذلك لعدم وجود إطلاق في النصوص يوثق به في الاكتفاء بصدق الارتداد مع الإسلام الحكميّ . وعلى هذا فلو بلغ من دون وصف الإسلام وأظهر الكفر لم يكن مرتدّاً عن فطرة .
وقد ظهر اعتبار هذا القيد من عبارات جمع من الأعلام ، منهم : الفاضل الأصفهانيّ وصاحب الجواهر والمحقّق الخمينيّ رحمهم الله ؛ قال في كشف اللثام في وجه اعتبار توصيف الإسلام : « وإنّما فسّرنا المرتدّ عن فطرة بمن ذكرنا لنصّهم على أنّ من ولد على الفطرة فبلغ فأبى الإسلام استتيب كما مرّ . » « 2 »
ومراده بذلك أنّه لو لم يلزم في صدق كون الارتداد فطريّاً إظهار الإسلام ووصفه ، فكان اللازم على العلماء أن يحكموا في الفرض المذكور بأنّه مرتدّ فطريّ ، ولكنّهم نصّوا على أنّه يستتاب في صورة الامتناع .
بل التقييد المذكور يظهر ممّا نقلناه عن أبي المجد الحلبيّ رحمه الله أيضاً ، حيث إنّه ذكر ضمن تعريف المرتدّ الفطريّ : « ولد على الفطرة ونشأ على إظهار كلمة الإسلام . » « 3 »
هامش
( 1 ) - راجع : جواهر الكلام ، ج 39 ، ص 34 .
( 2 ) - كشف اللثام ، ج 2 ، ص 279 .
( 3 ) - إشارة السبق ، ص 144 .