أضف إلى ذلك أنّا لا نجترئ أن نفتي بإراقة دم إنسان قد تاب إلى اللَّه تعالى وندم من فعله بسبب ورود رواية واحدة يتطرّق فيها ما مرّ ، ولا سيّما بملاحظة ما في سائر الروايات من لفظ : « لا يستتاب » دون « لا تقبل توبته » . ومن القريب جدّاً أنّ تعبير « لا يستتاب » المذكور في تلك الروايات كان في قبال معظم فقهاء العامّة وردّ قولهم بوجوب الاستتابة مطلقاً حتّى في الارتداد الفطريّ .
وفي الحقيقة فإنّ الحيثيّة التعليليّة الواردة في الأخبار راجعة إلى حيثيّة تقييديّة ، فما ذكره الإمام عليه السلام في جواب من يسأله عن رجل ولد على الإسلام ثمّ كفر ، هل أنّه يستتاب أو يقتل ولا يستتاب بقوله : « يقتل » ، يفيد أنّه يقتل مع كونه في تلك الحال وما دام مرتدّاً ولا يكون شاملًا لما بعد التوبة أصلًا .
ومجموع هذه الأمور يوقعنا في الشكّ ، وقد مرّ أنّ الحدود بمعناها العامّ الشامل للتعازير تدرأ بالشبهات ، والاحتياط في الدماء أمر مطلوب جدّاً عند الشرع ، وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلّوا سبيله ، فإنّ الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة . » « 1 »
وبما ذكرنا ظهر أنّ الأمر كذلك بالنسبة إلى الآثار والأحكام المترتّبة على الارتداد أيضاً ، فإذا تاب المرتدّ الفطريّ فهي لا تترتّب عليه .
أجل ، يمكن أن يقال : إنّ ما ذكر من قبول توبته وعدم ترتّب أحكام الردّة عليه ، يصحّ فيما إذا تاب قبل إثبات ردّته عند الحاكم أو بعد إثباتها ولكن قبل حكم الحاكم ، وأمّا بعد إثبات الارتداد وحكم الحاكم عليه بالقتل وبينونة زوجته وتقسيم أمواله ، فأقصى ثمرة التوبة هو نفي القتل عنه للاحتياط المطلوب في الدماء ولقاعدة الدرء دون سائر الآثار ، فلا يعود ماله وزوجته إليه عملًا بالاستصحاب . ولكن مع ذلك في النفس منه شيء وقلق واضطراب ، وحينئذٍ فالعمل بما يقتضيه الاحتياط هو سبيل النجاة ، فلا يقتل بعد التوبة ،
هامش
( 1 ) - السنن الكبرى ، ج 8 ، ص 238 .