وليس في فقهاء السنّة من ينكر القاعدة إلّا الظاهريّون منهم ، فإنّهم يرون أنّ الحدّ لا يحلّ درؤه بالشبهة ، ولا يسلّمون بصحّة ما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم « 1 » .
الأمر الثاني : في المراد من الشبهة
إنّ الإنسان إذا ارتكب عملًا محرّماً موجباً للحدّ ، فلا يخلو من أن يكون إمّا عالماً - اجتهاداً أو تقليداً - بحرمة عمله أو بجوازه ، أو جاهلًا بهما . وكذلك في جانب الموضوع ، إمّا أن يكون محرزاً له أو مشتبهاً عليه .
فإن كان عالماً بالموضوع وحرمة العمل ، فهو حينئذٍ مجرم ومستحقّ للعقوبة بما فيه الحدّ . وإن كان عالماً وقاطعاً بالجواز ، فهو غير مستحقّ للحدّ إجماعاً ، لاشتباه الأمر عليه ، سواء كان مقصّراً في مقدّمات الأمر أم لم يكن ، إذ ليست المسألة دائرة مدار تحقّق العصيان والإثم ، فإنّ الجهل المركّب عن تقصير في الشبهة الحكميّة ليس عذراً يرتفع به الإثم ، ومع ذلك لا يثبت فيها الحدّ .
ثمّ السؤال هنا هو فيما إذا كان الإنسان جاهلًا قاصراً أو مقصّراً ، سواء كان ظانّاً بجواز العمل بالظنّ غير المعتبر ، أو شاكّاً فيه ، أو ظانّاً بعدم الجواز ، أو غافلًا عنهما ، كما هو الحال في المكلّف اللامبالي وغير الملتفت إلى الحكم الشرعيّ ؛ فهل يسقط الحدّ عنه في جميعها لوجود الشبهة الدارئة ، أو في بعضها دون بعض ، أو لا يسقط في واحد منها أصلًا ؟
وتحقيق ذلك معلّق على بيان الضابط الكلّيّ في معنى الشبهة ، فنقول :
لم يبحث أكثر فقهاءنا عن معنى الشبهة ولم يذكروا ضابطاً لها ، وإن بحثوا عن معنى الشبهة في بعض المصاديق ؛ فمثلًا ذكر الشهيد الثاني رحمه الله في بيان وطء الشبهة : « والمراد به
هامش
( 1 ) - التشريع الجنائي الإسلامي ، المصدر السابق .