ما استدل به على حرمة التشبيب والجواب عنه
قوله ويمكن أن يستدل عليه بما سيجيء .
أقول : بعد أن أشكل المصنف على الوجوه المتقدمة ، واعترف بعدم نهوضها لإثبات حرمة التشبيب أخذ بالاستدلال عليه بوجوه أضعف من الوجوه الماضية :
الوجه الأول : أن التشبيب من اللهو والباطل ، فيكون حراما ، لما سيأتي من دلالة جملة من الآيات والروايات على حرمتها .
وفيه أن هذه الدعوى ممنوعة صغرى وكبرى : أما الوجه في منع الصغرى فلانه لا دليل على كون التشبيب من اللهو والباطل ، إذ قد يشتمل الكلام الذي يشبب به على المطالب الراقية والمدائح العالية المطلوبة للعقلاء خصوصا إذا كان شعرا كما هو مورد البحث .
وأما الوجه في منع الكبرى فلعدم العمل بها مطلقا ، لان اللهو والباطل لو كان على إطلاقهما من المحرمات لزم القول بحرمة كل ما في العالم ، فان كل ما أشغل عن ذكر اللّه - وذكر الرسول وذكر القيامة وذكر النار والجنة والحور والقصور - لهو وباطل ، وقد نطق بذلك القرآن الكريم أيضا في آيات عديدة [ 1 ] وسيأتي من المصنف الاعتراف بعدم حرمة اللهو إلا على نحو الموجبة الجزئية .
الوجه الثاني : أنه ورد النهي في الكتاب العزيز [ 2 ] عن الفحشاء والمنكر ، ومنهما التشبيب فيكون حراما .
وفيه أنا نمنع كون التشبيب من الفحشاء والمنكر ، على أن هذا الوجه ، مع الوجه السابق ، وسائر الوجوه الآتية لو دلت على الحرمة لدلت عليها مطلقا ، سواء أكان بالشعر أم بغيره وسواء أكان التشبيب بأنثى أم بذكر ، وسواء أكانت الأنثى مؤمنة أم غير مؤمنة ، فلا وجه لتخصيص الحرمة بالشعر .
هامش
[ 1 ] كقوله تعالى في سورة الأنعام ، آية : 32( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ).
وقوله تعالى في سورة العنكبوت ، آية : 64( وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ).
وقوله في سورة محمد ، آية : 38( إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ). وفي سورة الحديد ، آية 19( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ).
[ 2 ] في سورة النحل آية : 92 قوله تعالى :( وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ).
وغيرها من الآيات .