وقد استدل القائلون بالحرمة بوجوه ، الوجه الأول : أن التشبيب هتك للمشبب بها وإهانة لها ، فيكون حراما .
وفيه أولا : لو سلمنا كون التشبيب هتكا لها فان ذلك لا يختص بالشعر كما لا يختص بالمؤمنة المعروفة المحترمة ، فإنه لا فرق في حرمة الهتك بين أفراد الناس من المحرم وغير المحرم ، والزوجة وغير الزوجة ، والمخطوبة وغير المخطوبة ، فإن هتك جميعها حرام عقلا وشرعا وأيضا لا فرق في الشعر بين الإنشاء والإنشاد .
وثانيا : أن النسبة بين عنواني الإهانة والتشبيب هي العموم من وجه ، فان الشاعر أو غيره قد يذكر محاسن امرأة أجنبية في حال الخلوة بحيث لا يطلع عليه أحد ليلزم منه الهتك ، أو يكون التوصيف وإظهار محاسنها وذكر جمالها مطلوبا ، سواء كان ذلك بالنظم أم بغيره ، كما إذا سأل سائل عن بنات أحد الأعاظم والملوك ليخطب منهن واحدة ، فهل يقوم أحد أن توصيفها بالجمال والكمال والأدب والأخلاق حرام ؟ ؟ وكثيرا ما يتحقق عنوان الهتك من دون تحقق التشبيب ، وقد يجتمعان ، وعليه فلا ملازمة بينهما دائما .
وثالثا : أن كلامنا في المقام في حرمة التشبيب بعنوانه الأولي ، فإثبات حرمته لعنوان آخر عرضي - كعنوان الهتك أو الإهانة أو غيرهما - خروج عن محل الكلام .
الوجه الثاني : أنه إيذاء للمشبب بها ، وهو حرام .
وفيه أنه لا دليل على حرمة فعل يترتب عليه أذى الغير قهرا إذا كان الفعل سائغا في نفسه ، ولم يقصد العامل أذية الغير من فعله . وإلا لزم القول بحرمة كل فعل يترتب عليه أذى الغير وإن كان الفعل في نفسه مباحا أو مستحبا أو واجبا ، كتاذي بعض الناس من اشتغال بعض آخر بالتجارة والتعليم والتعلم والعبادة ونحوها ، وكثيرا ما يتأذى بعض التجار باستيراد البعض الآخر مال التجارة ، ويتأذى الجار بعلو جدار جاره أو من كثرة أمواله ، مع أن أحدا لا يتفوه بحرمة ذلك .
على أن النسبة بين التشبيب والإيذاء أيضا عموم من وجه ، إذ قد يتحقق التشبيب ولا يتحقق الإيذاء كالتشبيب بالمتبرجات ، وقد يتحقق الإيذاء حيث لا يتحقق التشبيب ، وهو واضح ، وقد يجتمعان .
هامش
- الأوصاف . وعن الحنفية : التغني المحرم ما كان مشتملا على ألفاظ لا تحل كوصف الغلمان . والمرأة المعينة التي على قيد الحياة .