لا يقال على المقلّد العالم بالفتاوى : إنّه عالم ، مع أنّ المأخوذ في لسان بعض الأدلّة لفظ « النظر » فاعتبر في من يتولّى أمر القضاء كونه ذا نظر في الأحكام ، ولا شبهة في عدم إطلاق الناظر على المقلّد .
وأمّا ما استدلّ به صاحب « الجواهر » للجواز من الآيات وبعض الأخبار « 1 » ؛ فمن أمعن النظر فيها يرى أنّه لا دلالة لها أصلا .
أمّا الآيات ؛ مثل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
« 2 » ، فإنّ الظاهر من « الأمانة » بعد تسليم كونها بمعنى العلم المراد بردّها هو تعليمها للغير ، ولا ربط لها بالتحكيم .
وإن قيل بكون الجملة الأخرى مفسّرة لصدر الآية فيصير المراد من « الأمانة » هو التحكيم .
فنقول : أوّلا إنّ ذلك خلاف مساق الآية ، فإنّ ظاهرها كون الجملة الثانية مستقلّة لا ربط لها بالأولى ، مع كون ظاهر « الواو » هو العطف .
وثانيا : على هذا ، الآية منصرفة عن شمولها للمقلّد ، لأنّ غاية ما تدلّ عليه هو وجوب القضاء بالعدل ، وأمّا من يفعل ذلك فليس الحكم متكفّلا لبيان موضوعه ، بل لا بدّ وأن يكون الموضوع محرزا من الخارج ، فلا سبيل إلى استفادة عموم الموضوع عن عموم الحكم ، فيكون حاصل مدلول الآية هو أنّ من كان أهلا للحكم يجب أن يكون تحكيمه بالعدل .
وكذلك غيرها من الآيات الغير الدالّة على مدّعاه ، ويظهر وجهه ممّا ذكرنا
هامش
( 1 ) جواهر الكلام : 40 / 15 - 17 .
( 2 ) النساء ( 4 ) : 58 .