ومن هنا يظهر فساد ما توهّمه اليهود من أنّ الممكنات إنّما تفتقر إلى الله في إخراجها من العدم إلى الوجود ، وأمّا بعد ذلك فهي غنيّة عن الله ، بل يجوز العدم عليه حينئذ ؛ نظرا إلى أنّ العلّة هي الحدوث ، ولا حدوث عند البقاء ، فلا حاجة إلى المؤثّر .
وتمسّكوا في ذلك ببقاء البناء بعد فناء البنّاء ، وبقاء الابن بعد الأب ، وبقاء سخونة الماء بعد النار .
وأنت خبير بأنّ الكلام في العلّة الموجدة ، لا في العلل العرضيّة المعدّة للأوضاع المخصوصة المفاضة من علل فاعليّة ، لا من تلك الحركات المستندة إلى حركة البنّاء .
قال القوشچي في شرح التجريد - بعد كلام له - :
فإنّ الأب بإرادة مخصوصة وحركة معيّنة علّة فاعليّة أو شرط به تتمّ العلّة التامّة [ كحركة المنيّ و ] « 1 » حركة المنيّ علّة معدّة لحصوله في الرحم ، ثمّ حصوله فيه زمانا مع أمور تتجدّد هناك علّة لاستعداده لقبول صورة الإنسانيّة ، فيفيض عليه تلك الصورة من المبدأ الفيّاض ، فتصويره إنسانا وبقاؤه إنسانا علّة أخرى غير الأب ، فلذلك جاز بقاؤه بعده ، وكذلك النار لمجاورتها الماء تعدّ مادّة لقبول السخونة ، فيفيض السخونة عليها من المبدأ « 2 » . انتهى .
وكيفما كان ، فالداعي المستلزم للخلوص الذي هو من أثر الإخطار بالبال وإن كان مفتقرا إلى إخطار العامل في الحدوث والحصول ، إلّا أنّ بقاءه إلى آخر العمل مستغن عن الإخطار .
والحاصل : أنّ الغرض هو الخلوص ، وهو حاصل بدون الإخطار ، فيكفي الاستمرار الحكمي الذي هو عبارة عن بقاء أثر الإخطار .
وأجيب عن هذا الاستدلال : بوجوه أربعة :
الأوّل : أنّ الباقي - وهو الوضوء - حدوثه تدريجيّ يحدث شيئا فشيئا ، ومثل هذا الباقي لا بدّ له من سبب مستمرّ إلى آخر وجوده .
والحاصل : أنّ استغناء الباقي عن المؤثّر إنّما هو في الحاصل دفعة ، وأمّا الحاصل
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر .
( 2 ) شرح تجريد الاعتقاد ، ص 117 .