وبالجملة حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى أنّ تغيير هيئة المستحبّ يوصف بالحرمة ؛ لما فيه من تغيير الشرع ، وهو بدعة .
وفيه : أنّ هذا فرع ثبوت تعيّن الهيئة ، وأمّا إذا لم يثبت إلّا مستحبّ مطلقا ، فمقتضى حصول الامتثال بالإتيان به كيف اتّفق .
سلّمنا الثبوت ، ولكن لا دليل على الحرمة بمجرّد التغيير .
نعم ، إنّما يحرم لو اعتقد المشروعيّة ، ولا كلام في ذلك ، ولا في عدم الصحّة ؛ حيث إنّها عبارة عن الموافقة للمأمور به ، والمفروض أنّ الإطلاقات لا تشمل مثل ذلك .
قال في الرياض بعد أن نقل عن الشيخ عدم جواز تقديم الاستنشاق :
وهو كذلك مع قصد المشروعيّة ؛ لعدم ثبوتها - أي المشروعيّة - فيه - أي في تقديم الاستنشاق - للشكّ في شمول إطلاق الأخبار له ، سيّما مع الترتيب الذكري فيها والفعلي في غيرها « 1 » . انتهى .
وفيه نظر ؛ لما عرفت من عدم ثبوت الاشتراط ، والشكّ في شمول الإطلاقات لا وجه له ؛ إذ الغرض منها ليس بيان التقديم والتأخير ، بل بيان أصل استحبابهما ، وحيث لا دليل على الاشتراط ، فلا بدّ من إبقاء الإطلاق على حاله .
وبالجملة ، لا دليل على توقّف الاستحباب المذكور على هيئة خاصّة ، ولا على حرمة التأخير مطلقا حتّى مع قصد المشروعيّة ؛ إذ كلّ من التقديم والتأخير مشروع بقضاء الإطلاق ، فلا يلزم من التأخير التغيير في الشرع .
وقد أجاد المحقّق الخوانساري رحمه اللّه في المقام حيث قال :
اعلم أنّ هيئة المستحبّ إمّا أن تكون مستفادة من نفس الأمر بذلك المستحبّ ، مثل أن يرد في الشرع : تمضمض ثمّ استنشق ، ونحوه ، أو من أمر آخر ، مثل أن يرد أوّلا :
تمضمض واستنشق ، ثمّ ورد أمر آخر بأن قدّم المضمضة على الاستنشاق ، وحينئذ لا يخلو إمّا أن يستفاد من الأمر الثاني تقييد الأوّل واشتراطه به ، أولا ، وعلى الأوّلين لو غيّر هيئة المستحبّ ، فالظاهر عدم الامتثال لذلك المستحبّ أصلا ؛ لعدم الإتيان بالمأمور
هامش
( 1 ) رياض المسائل ، ج 1 ، ص 171 .