وهذا الحمل وإن كان بعيدا إلّا أنّه لا بأس به في نحو المقام ، وعلى هذا فتكون الرواية المستشهد بها شاهدة أيضا على مدّعانا ، لا على مدّعاه .
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الاحتمال الذي احتمله في غاية الخفاء ، فكيف يدّعي ظهوره ورجحانه فيبطل به الاستدلال ! ؟ وواضح أنّ مثل هذا الاحتمال لا يصلح لسقوط الاستدلال ، وإلّا لتطرّق الوهن إلى كثير من الاستدلالات .
والحاصل : أنّ حمل الوضوء في هذه الرواية على الوضوء الكامل بعد تعذّر حمله على الواجب من حقيقته أولى ، بل متعيّن .
ومن هذا كلّه يظهر أيضا ضعف ما ذكره المحقّق الخوانساري من المناقشة في هذه الرواية حيث قال :
وفيه : أنّه لا دلالة على الاستحباب ؛ لجواز أن يكون مراده بيان القدر الذي رخّص فيه للناس الذي لا يجوز التجاوز عنه . والحاصل : أنّ الثنتين إنّما هو من باب الرخصة لا الاستحباب ، ويؤيّده ما رواه الكشّي عن حمدويه وإبراهيم ، قال : حدّثنا محمّد بن إسماعيل الرازي ، قال : حدّثني أحمد بن سليمان ، قال : حدّثني داود الرقّي ، قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السّلام « 1 » ، إلى آخره ، فإنّ هذا مشعر بأنّ إضافة الرسول مرّة أخرى إنّما هو من باب التسهيل والرخصة ، لا من باب الرجحان والأولويّة « 2 » . انتهى .
وأنت خبير بأنّ هذا الاحتمال - أي احتمال إرادة بيان منتهى الرخصة والجواز خاصّة - في غاية البعد ، كما صرّح به جماعة أيضا .
وما ادّعاه من إشعار الرواية المذكورة بذلك ، دعوى لا دليل عليها أصلا ، كيف ! وإضافته صلّى اللّه عليه وآله ظاهرة ، بل صريحة في كون ذلك سنّة راجحة كما في غيرها من إضافاته صلّى اللّه عليه وآله .
على أنّ الماء الحاصل من هذه الغسلة إمّا من الوضوء أو من غيره ، فإن كان الثاني ، فما الوجه في عدم جواز المسح بغير بلّة الوضوء ؟ فتعيّن الأوّل ، وحينئذ فلا معنى لكون هذه الغسلة غير عبادة ، وحيث كانت عبادة فلا جرم تكون راجحة ؛ إذ المباح الصرف لا يصلح
هامش
( 1 ) تقدّم تخريجه في ص 406 ، الهامش ( 1 ) .
( 2 ) مشارق الشموس ، ص 133 .