معه . على أنّ مبنى الأحكام الشرعيّة على فهم العرف ، وإنّا إذا راجعنا إليهم نراهم يطلقونها كثيرا ما على الداعي . على أنّ الثابت من أدلّة اعتبارها ما تطلق عليه النيّة ، والحالة المذكورة تطلق عليها النيّة ، فيجب الاجتزاء بها ؛ نظرا إلى أنّ الإخطار أمر زائد ينفيه الأصل .
والتمسّك بأصالة الاشتغال إنّما يجدي لو لم يكن هنا إطلاق صحيح ، بل ربّما يقال : إنّه لا دليل لفظيّا على اعتبار النيّة ، وإنّما دليله منحصر في الإجماع ، وحينئذ فيجب الاقتصار على القدر المتيقّن في مقام التكليف .
والحاصل : أنّه لم يثبت اشتغال الذمّة بأكثر من هذه الحالة ، فمقتضى أصالة البراءة عدم التكليف بالزائد ؛ لمكان الشكّ في أصل التكليف .
ومن هنا يظهر أنّ النيّة المجزئة في صحّة العبادات هي الداعية الباعثة عليها ، كما في سائر الأفعال الاختياريّة .
واختار هذا القول كثير من محقّقي من تعرّض لهذه المسألة من أصحابنا المتأخّرين « 1 » .
والمتقدّمون لم يتعرّضوا لها ؛ لمكان الغناء عن البيان ، حيث لم يفرّقوا بين العبادات وغيرها في النيّة في الجملة .
قال صاحب الحدائق - ونعم ما قال - :
لا ريب أنّ أفعال العقلاء كلّها - عبادة كانت أم لا - لا تصدر إلّا عن الدواعي الباعثة على الإتيان بها ، مثلا : يتصوّر الإنسان أنّ زيارته لزيد موجب لإكرامه ، وكتابته لهذا الكتاب موجب لانتفاعه ، ونحو ذلك ، فإذا تصوّرت النفس هذه الأغراض انبعث منها شوق إلى جذبها وتحصيلها ، فانبعاث النفس وتوجّهها وقصدها إلى ما فيه غرضها هو النيّة .
نعم ، قد يحصل بسبب تكرّر الفعل والاعتياد عليه ذهول عن تلك العلّة الغائيّة الحاملة على الفعل ، إلّا أنّ النفس بأدنى توجّه والتفات تستحضر ذلك ، كما هو المشاهد في جملة أفعالنا المتكرّرة منّا ، وحينئذ فليست النيّة بالنسبة إلى الصلاة إلّا كغيرها من سائر أفعال المكلّف من قيامه وقعوده وأكله وشربه ، وغير ذلك .
ولا ريب أنّ كلّ عاقل غير غافل لا يصدر عنه [ فعل ] من هذه الأفعال إلّا بقصد ونيّة
هامش
( 1 ) كالنراقي في مستند الشيعة ، ج 2 ، ص 73 ؛ وشيخ فقهائنا المتأخّرين في جواهر الكلام ، ج 2 ، ص 152 .