والاستدلال له بأنّ قوله : « لا عمل إلّا بنيّة » « 1 » و « إنّما الأعمال بالنيّات » « 2 » ظاهر في نفي الكمال وحصره ، لا في نفي الصحّة وحصرها ، ممنوع ؛ إذ نفي الصحّة أقرب المجازات ، فالحمل عليه أولى بعد تعذّر الحمل على الحقيقة .
ودعوى أنّ الأغلب في هذه التراكيب نفي الكمال - كما في قوله : « لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد » « 3 » و « لا نكاح إلّا بوليّ » « 4 » . انتهى ، فيحمل ما نحن فيه عليه إلحاقا بالأغلب - في محلّ المنع . على أنّ « لا » حقيقة في نفي الجنس ، ونفي الصحّة أقرب إليها قطعا ، فليتأمّل .
هذا لو قلنا بكون الألفاظ أسام للأعمّ ، وأمّا على القول الآخر فالمنفيّ هنا هو جنس العمل الشرعي .
وربما يقال : إنّ الحمل على نفي الصحّة يوجب التخصيص بالنسبة إلى أكثر الأعمال ، حيث لا تتوقّف صحّتها على النيّة ، بخلاف الحمل على نفي الكمال « 5 » .
والحاصل : أنّ أقرب المجازات إذا كان موجبا للتخصيص لا يقدّم على أبعدها إذا لم يوجبه .
وأجيب عنه : بأنّ العمل وإن كان أعمّ من العبادة ولكن المتبادر منه في الأخبار هو العبادة .
وفيه نظر .
وقد يجاب أيضا بأنّ أقرب المجازات متعيّن مطلقا حتّى في صورة لزوم التخصيص .
وفيه : أنّه في المقام مستلزم لتخصيص الأكثر ، وهو غير جائز عند الأكثر ، فتدبّر .
والأولى أن يجاب بأنّ الأصحاب قد فهموا من هذا التركيب نفي الصحّة ، الظاهر أنّه مستند إلى دليل ، وللتأمّل فيه أيضا مجال .
هامش
( 1 ) تقدّم تخريجه في ص 11 ، الهامش ( 3 ) .
( 2 ) تقدّم تخريجه في ص 9 ، الهامش ( 1 ) .
( 3 ) سنن الدارقطني ، ج 1 ، ص 409 - 420 ، ح 1 و 2 ؛ سنن البيهقي ، ج 3 ، ص 111 ؛ المستدرك للحاكم ، ج 1 ، ص 246 .
( 4 ) سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 605 ، ح 1880 و 1881 ؛ سنن أبي داود ، ج 2 ، ص 329 ، ح 2085 ؛ سنن الترمذي ، ج 3 ، ص 407 ، ح 1101 .
( 5 ) كما في مشارق الشموس ، ص 88 .