فليطمئنّوا ، فإنّ رحمتي عند ذلك تدركهم ، ومنّي يبلغهم رضواني ، ومغفرتي تلبسهم عفوي ، فإنّي أنا اللّه الرحمن الرحيم ، وبذلك تسمّيت » « 1 » . انتهى .
ومنه يظهر أيضا معنى قوله : ( وحصرت ) بالحاء والصاد والراء المهملات ، كفرح ، أي عيّت وعجزت في المنطق ( عن شكر نعمته ) التي أنعمها أصولها وفروعها ، جليلها وحقيرها ( ألسنة الحامدين ) أي الشاكرين ، فعبّر عن العامّ وأراد الخاصّ ، فإنّ الحمد عبارة عن الوصف بالجميل على وجه التعظيم والتبجيل مطلقا ، سواء كان المحمود منعما أو لا .
والمراد بالجميل : الاختياري الذي قدر على تركه ولم يتركه . قيل : لأنّه صفة الفعل ، ولا يكون إلّا اختياريّا .
ومثله المدح على ما ذكره الكفعمي في الرسالة الواضحة [ في ] شرح الفاتحة ، حيث قال : « الحمد والمدح أخوان ؛ لأنّ الحمد مقلوب المدح » « 2 » . انتهى .
وعن التفتازاني في حاشية الكشّاف : « إنّ المدح يعمّ الاختياري وغيره ؛ لما يقال :
مدحت اللؤلؤة على صفائها ، ولا يقال : حمدتها » .
وعن بعضهم : أنّ هذا المثال مصنوع على العرب . وعن آخر : أنّ الحمد أيضا لا يختصّ بالاختياري .
والشكر عبارة عن تعظيم المنعم لنعمته .
ويحتمل قويّا أن يكون اللفظ على ظاهره ، بمعنى أنّ الحامدين - أي الواصفين مطلقا - لو أجمعوا على شكر نعمته لعجزوا عنه ولم يقدروا على شكرها حقّ الشكر ؛ لأنّ الشكر أيضا نعمة ، فكلّما وفّقوا لشكر نعمة ، فقد لزمهم شكر آخر لهذا أيضا .
مضافا إلى أنّ نعمة اللّه - من حيث هي - عظيمة جليلة ، والحامدون لا يقدرون إلّا على حسب إمكانهم واستعدادهم ، وكلّ ذلك لا يطابق نعمة اللّه ؛ إذ الشكر الحقيقي لا يكون إلّا بعد معرفة المشكور له لتحصل المناسبة ، فإنّه في الحقيقة وصف له ، ولا وصف حقيقيّا إلّا ما
هامش
( 1 ) الكافي ، ج 2 ، ص 58 ، باب حسن الظنّ باللّه عزّ وجلّ ، ح 1 .
( 2 ) رسالته هذه لم تصل إلينا ، وللمزيد راجع روضات الجنّات ، ج 1 ، ص 21 ؛ الذريعة ، ج 25 ، ص 12 / 64 .