ولعلّه لأنّ مقتضى المبالغة كون الموصوف به بالغا في الرحمة غايتها ، ولا ريب أنّ الرحمة الكاملة خاصّة باللّه ، أو لأنّ المراد به : الذي ينتهي إليه كلّ رحمة ، أو لكونه المنعم الحقيقي الذي منه يكون أصول النعم ، كالوجود وما يتبعه ، وحينئذ فتعقيبه بالرحيم ؛ للدلالة على أنّ غير الأصول أيضا يستند إليه .
قال الطبرسي : « إنّما قدّم الرحمن على الرحيم ؛ لأنّ الرحمن بمنزلة الاسم العلم ، بحيث لا يوصف به إلّا اللّه » « 1 » . انتهى .
وقد يقال : لأنّ الرحمة الرحمانيّة عامّة لكلّ مخلوق ، بخلاف الرحيميّة ؛ لاختصاصها بالمؤمنين ، فتأمّل .
( الحمد للّه الذي صغرت ) بضمّ الغين المعجمة وكسرها ( في عظمته عبادة العابدين ) استقلّ عبادة العابدين بالنسبة إلى عظمة اللّه وسلطانيّته ، فإنّ استحقاقه تعالى للعبادة ليس إلّا لإلهيّته الدائمة الأزليّة السرمديّة التي لا أوّل لها ولا أمد لآخرها ، وحيث كانت هذه الصفة دائمة فلا تطابقها عبادة وإن بلغت نهايتها ؛ لأنّ العابدين المتذلّلين إنّما أحدثهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ، وسيفنيهم فلا يبقى سواه .
وكذلك لو قلنا : إنّ الاستحقاق المذكور لإفاضاته النعم ، فإنّ نعمه لا نهاية لها
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
« 2 » .
وروى محمّد بن يعقوب الكليني رحمه اللّه في الكافي عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن محبوب ، عن داود بن كثير ، عن أبي عبيدة الحذّاء ، عن الباقر عليه السّلام قال :
« قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : قال اللّه تبارك وتعالى : لا يتّكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي ، فإنّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم - أعمارهم - في عبادتي ، كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي ، والنعيم في جنّاتي ، ورفيع الدرجات العلى في جواري ، ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا ، وإلى حسن الظنّ بي
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج 1 ، ص 21 .
( 2 ) إبراهيم ( 14 ) : 34 .