والحاصل : أنّ استصحاب عدم الكرّيّة مستلزم للنجاسة ، وإلّا لزم التفكيك بين المتلازمين .
لا يقال : إنّ القضيّة ترجع إلى أنّه كلّما استصحب عدم كرّيّته ينفعل ، وهذا في محلّ المنع ؛ لأنّ الانفعال دائر مدار القطع بعدم البلوغ ، لا عدم القطع بالبلوغ .
لأنّا نقول : إنّ مقتضى أخبار الاستصحاب جريان حكم العلم السابق في محلّ الشكّ وتنزيل الشكّ منزلة العدم ، وإلّا فالنقض متحقّق واقعا ، فتدبّر .
ونفى في الرياض البعد عن الثاني « 1 » ؛ نظرا إلى أنّ استصحاب عدم الكرّيّة معارض باستصحاب الطهارة السابقة الثابتة قطعا ، كما هو المفروض ، ولا مرجّح لأحدهما ، فيتساقطان ، فيرجع إلى الأصل ، ومقتضاه البراءة عن وجوب الاجتناب ، والحكم بالطهارة إلى أن يحصل القطع بالنجاسة .
وفيه نظر ؛ إذ استصحاب عدم الكرّيّة مزيل لحكم استصحاب الطهارة قطعا ، وقد تبيّن في الأصول تقدّم المزيل على المزال ، فليلاحظ .
[ الصورة ] الثالثة : أن لا يسبق علم لا بالكرّيّة ولا بعدمها ، كأن يرى في موضع ماء ومادّة ، ثمّ يشكّ في أنّ المادّة هل بلغت كرّا أولا ثمّ يلاقي ماؤها نجسا ، فهل يحكم بالنجاسة أو بالطهارة ؟ وجهان .
للأوّل : أنّ الأصل عدم بلوغها الكرّ ، فيتفرّع عليه الحكم بالنجاسة .
وحاصله : أنّ الحكم بعدم الانفعال فرع الحكم بالكرّيّة قطعا أو أصلا ، ولا شيء منهما في المقام ، كما هو المفروض .
وبعبارة أخرى : قوله عليه السّلام : « إذا بلغ الماء قدر كرّ » « 2 » إلى آخره ، يقتضي دوران الانفعال وعدمه بالكرّيّة وعدمها ، فلا يقال : إنّ مفهومه يقتضي الانفعال بالعلم بعدم الكرّيّة ، فليتأمّل .
وللثاني : ما تقدّم من أنّ استصحاب القلّة معارضة باستصحاب الطهارة ، فيرجع إلى أصالة الطهارة .
هامش
( 1 ) رياض المسائل ، ج 1 ، ص 19 .
( 2 ) تقدّم تخريجه في ص 182 ، الهامش ( 2 ) .