والإبل الطراب : التي تسرع إلى أوطانها . والمعنى : أنّ البرق الذي سبق الحمر الوحشيّة أكلّ الساعات من الليل يداومه ، فباتت الحمر طرابا من ضوئه . والليل بات ولم ينم من عمل البرق . وإكلاله إيّاه من قبيل المجاز كأتعبت يومك ، وأسهرت ليلتك .
قال بعض الأفاضل : الخليل وسيبويه وجمهور النحاة على أنّ « فعيلا » يعمل عمل فعله .
وقيل : إنّه لا يعمل . واستشهد على إعماله بقول الشاعر : « حتّى شآها » إلى آخره .
ثمّ قال : فإن قيل : فكليل غير متعدّ ؛ لأنّه من كلّ إذا أعيى ، ولا يقال : كلّ زيد عمرا ، وحينئذ لا حجّة فيه .
قلنا : لا نسلّمه ، بل كليل بمعنى مكلّ ، كأنّه أكلّ حمر الوحش : أي أتعبها وأعياها بالمشي إلى جهته ، ولذلك وصفه بأنّه لم ينم - يعني البرق - كأليم بمعنى مولم ، وسميع بمعنى مسمع ، فيكون بمعنى متعبها .
ولا يقال : إنّ فعيلا لا يأتي إلّا من فعل بضمّ العين ، وهو للغرائز ، كشرف فهو شريف ، وكرم فهو كريم ، ولا يكون إلّا لازما ، فلا يصحّ أن يكون عاملا .
لأنّا نقول : إنّ فعيلا يأتي لغير الغرائز ، ومنه قوله : زيد رحيم عمرا ، وقوله :
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
« 1 » فأكيل بمعنى آكل « 2 » . انتهى .
ويظهر ممّا ذكره أخيرا وجه التمثيل بالأكول في الروضة « 3 » ، وهو : أنّ الفعول وإن كان بحسب وضعه اللغويّ لازما ؛ لكونه ممّا حقّه البناء من الأفعال اللازمة ، إلّا أنّه قد يخرج عن هذا الوضع ، فيستعمل متعدّيا ، فتأمّل .
ويمكن المناقشة فيما ذكره الشيخ أخيرا من « أنّا وجدنا كثيرا ما » « 4 » إلى آخره : بأنّ الكلام في خروج الفعول عن أصله ، لا في الفعيل ؛ لكثرة خروجه عن أصله .
وقوله : « وهذا كثير في كلام العرب » إنّما هو في الفعيل خاصّة ، كما لا يخفى ، والنحاة إنّما
هامش
( 1 ) البيت للشاعر قيس بن عاصم المنقري . انظر الأغاني ، ج 14 ، ص 68 .
( 2 ) مجمع البحرين ، ج 1 ، ص 241 - 242 . « ش آ » .
( 3 ) الروضة البهيّة ، ج 1 ، ص 28 .
( 4 ) تقدّم آنفا .