قال بعد ما أسلفناه من كلامه :
فإن قال قائل : كيف يكون الطهور هو المطهّر واسم الفاعل منه غير متعدّ ! ؟ وكلّ فعول ورد في كلام العرب متعدّيا لم يكن متعدّيا إلّا وفاعله متعدّ ، فإذا كان فاعله غير متعدّ ينبغي أن يحكم بأنّ فعوله غير متعدّ أيضا ، ألا ترى أنّ قولهم : « ضروب » إنّما كان متعدّيا ؛ لأنّ الضارب منه متعدّ ، وإذا كان اسم الطاهر غير متعدّ يجب أن يكون الطهور أيضا غير متعدّ .
قيل له : هذا كلام من لم يفهم معاني الألفاظ العربيّة ، وذلك أنّه لا خلاف بين أهل النحو أنّ اسم « فعول » موضوع للمبالغة وتكرّر الصفة ، ألا ترى أنّهم يقولون : « فلان ضارب » ثمّ يقولون : « ضروب » إذا تكرّر منه ذلك وكثر ، وإذا كان كون الماء طاهرا ليس ممّا يتكرّر ويتزايد ، فينبغي أن يعتبر في إطلاق الطهور عليه غير ذلك ، وليس بعد ذلك إلّا أنّه مطهّر ، ولو حملناه على ما حملنا عليه لفظ الفاعل لم يكن فيه زيادة فائدة ، وهذا فاسد .
وأمّا ما قاله السائل : « إنّ كلّ اسم للفاعل إذا لم يكن متعدّيا فالفعول منه غير متعدّ » فغلط أيضا ؛ لأنّا وجدنا كثيرا ما يعتبرون في أسماء المبالغة التعدية وإن كان اسم الفاعل منه غير متعدّ ، ألا ترى إلى قول الشاعر :
حتّى شآها كليل موهنا عمل * باتت طرابا وبات اللّيل لم ينم
« 1 » فعدّي « كليل » إلى « موهنا » ؛ لما كان موضوعا للمبالغة وإن كان اسم الفاعل منه غير متعدّ ، وهذا كثير في كلام العرب « 2 » . انتهى .
قال الطريحي رحمه اللّه في مجمع البحرين في لغة « شآ » بعد ذكر هذا الشعر :
قيل في شرحه : شآها أي : سبقها ، والضمير للاتن الوحشيّة ، من قولهم : شأوت القوم : إذا سبقتهم . و « الكليل » : الذي أعيى من شدّة العمل ، يقال : كللت من الشيء أكلّ كلالة : أي عييت ، وكذلك البعير ، والمراد به هنا البرق الضعيف .
و « موهنا » ظرف معمول ل « كليل » وهو الساعة من الليل . وفي الصحاح : الوهن نحو من نصف الليل ، والموهن مثله . وعن الأصمعي : حين يدبر الليل .
و « عمل » بكسر الميم على « فعل » الدائب العمل ، يقال : رجل عمل : أي مطبوع على العمل ، ولا فرق بين « عمل » و « عامل » .
هامش
( 1 ) انظر ديوان الهذليّين ، ج 1 ، ص 198 ؛ كتاب سيبويه ، ج 1 ، ص 114 .
( 2 ) تهذيب الأحكام ، ج 1 ، ص 214 - 215 .