الصورة الثالثة ففيها إشكال نشأ من جهة خلاف بين الأصحاب ، فقيل : بأنّه لا يلحقه حكم المشتبه ولا يجب اجتنابه ، صرّح به في المدارك « 1 » ، وحكى القطع به عن المحقّق الشيخ عليّ في حاشية الشرائع « 2 » ، والميل إليه عن جدّه قدّس سرّه في روض الجنان « 3 » ، لأنّ احتمال ملاقاة النجس لا يرفع الطهارة المتيقّنة ، وقد روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال : « ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا » « 4 » ولأنّه لم يعلم ملاقاته لنجس ، وإنّما علم ملاقاته لما يجب الاجتناب عنه مقدّمة ، فهو باق على أصالة الطهارة ، ولا يجري فيه دليل وجوب الاجتناب عن النجاسة الواقعيّة بعد حكم الشارع بأنّه طاهر غير نجس .
وقيل : بأنّه يلحقه حكم المشتبه الّذي منه وجوب غسله ، صرّح به العلّامة في المنتهى قائلا : « بأنّه لو استعمل أحدهما وصلّى به ، لم تصحّ صلاته ووجب غسل ما أصابه المشتبه بماء متيقّن الطهارة كالنجس » « 5 » .
ثمّ حكى عن الحنابلة وجها بعدم وجوب غسله ، لأنّ المحلّ طاهر بيقين ، فلا يزول بشكّ النجاسة .
فأجاب عنه : « بأنّه لا فرق هنا بين يقين النجاسة وشكّها في المنع بخلاف غيره » 6 .
وأجيب عنه : « بأنّ اليقين بالنجاسة موجب لليقين بنجاسة ما أصابه ، وأمّا الشكّ فيها فلا يوجب اليقين بنجاسة ما أصابه ، فيبقى على أصالة الطهارة ، وعدم الفرق بين اليقين والشكّ هنا شرعا إنّما هو في وجوب الاجتناب لا في تنجيس الملاقي » 7 .
والوجه في ذلك : أنّ الساري من حكم النجس الواقعي إلى كلّ من المشتبهين إنّما هو الحكم التكليفي أعني وجوب الاجتناب ، لأنّ الاجتناب عن كلّ واحد مقدّمة علميّة للواجب ، وأمّا الحكم الوضعي وهي نفس النجاسة فلا يعقل سرايتها إليهما ، بل هي قائمة بما هو نجس واقعا . ويظهر من صاحب الحدائق موافقة العلّامة ، حيث يقول : « بأنّ مقتضى القاعدة المستفادة من استقراء الأخبار الواردة في أفراد الشبهة المحصورة أنّ
هامش
( 1 ) مدارك الأحكام 1 : 108 .
( 2 ) لم نجده في حاشية الشرائع .
( 3 ) روض الجنان : 156 .
( 4 ) الوسائل 3 : 477 ب 41 من أبواب النجاسات ح 1 - التهذيب 1 : 421 / 1335 .
( 5 ) 5 و 6 منتهى المطلب 1 : 178 - 179 .
( 6 ) 7 كتاب الطهارة - للشيخ الأنصاري رحمه اللّه - 1 : 283 .