تصرفك ، وتتمكن من إعطائه أكثر مما تعطي الآخرين .
فلما سمع ( شيخنا الأعظم ) مقالة أمه ناولها مفاتيح الغرفة التي فيها الأموال قائلا لها بلهجة المؤمن الذي لم يخضع لمنطق العاطفة :
هاك يا أماه مفاتيح الغرفة وافتحيها وخذي من الدراهم البيض ، والدنانير الصفر ما شئت ، وما يكفي ولدك الفقير على أن أكون أنا في حل ، وتتحملين أنت تبعاته ومسئولياته .
يا أماه إن هذه الأموال التي ترينها مجتمعة عندي هي حقوق الفقراء ، وذوى الحاجات توزع عليهم على حد سواء فكلهم فيها سواسية كأسنان المشط لا تمييز بين أحد وآخر .
يا أماه إن كان لك في الغد جواب عن الزيادة التي تأخذ فيها لولدك فاعملي ما شئت ، فإن ورائك حسابا دقيقا فما ذا تصنعين ؟
فزعت الوالدة من هذه الكلمات ، وسرت رعدة الخوف من اللّه عز وجل في جميع أوصالها ، وعلمت أن لها يوما عسيرا ، وحسابا دقيقا لا يشابه عالم المادة والشهوات فرفضت المفاتيح وسلمتها إلى ولدها ، وتابت إلى اللّه تبارك وتعالى من تلك المبادرة التي لم تتدبر عواقبها في بداية الامر وتناست بؤس ولدها الفقير وإملاقه . واعتذرت منه .
عجبا ! ! إن المرأة ذات العواطف ، مليئة الحنان بأولادها ، فهي تبذل كل ما لها من الجهود في سبيل تمشية أمور أولادها ، وترفيههم وترقيهم في المجتمع مهما بلغ الامر ، ولا يوقف عن عزمها اي شيء فكيف سلّمت المفاتيح إلى ولدها حين أن سمعت مقالة شيخنا البار بأمه ؟
نعم : الامر هكذا ، لكن الذي دعاها إلى التسليم : هو إيمانها باللّه العزيز ، ويقينها بيوم الحساب .
فهنيئا لهذه المرأة المؤمنة التي شعرت في الحال باليوم العسير ، والحساب
كتاب المكاسب ( المحشَّى ) — صفحة مقدمة 26
مساهمون: الشيخ الأنصاري
صمقدمة ٢٦