وكأنّ وجه اختصاصه تعالى بالصوم - كما في غيره من الأخبار المرويّة عند الطرفين - أنّه أمر خفي لا يمكن الاطّلاع عليه لغير اللّه تعالى ، بخلاف غيره كالحجّ والصلاة ، ولما في الصوم من ترك الشهوات والملاذّ في الفرج والبطن الموجب لصفاء العقل والفكر بواسطة ضعف القوى الشهوية وقوّة القوى العقلية ، فيصل بسببهما إلى دقائق الحكمة وإلى كمال المعارف الربانيّة التي هي أشرف أحوال النفس الإنسانية ، ومن جرّب ذلك واختبره بأن راض نفسه باستعماله مع ترك اللغو في أفعاله وأقواله وكان من العارفين المتنبّهين عرف استغناءه عن إقامة الأدلّة والبراهين ، بل والفرق بينه وبين غيره من سائر العبادات وإن كان كلّ منها فيه قرب إلى ربّ العالمين .
وعلى كلّ حال فما ورد في فضل الصوم وفوائده أكثر ممّا يحصى ، فضلا عمّا ورد في خصوص صوم شهر رمضان « 1 » منه ، ورجب « 2 » وشعبان « 3 » ، ويوم الغدير « 4 » ، وأيام البيض « 5 » وستّة شوّال « 6 » ، وكلّ خميس وجمعة « 7 » واثنتين « 8 » ، وثلاثة أيام من كلّ شهر : أوّل خميس ، وآخر خميس ، ووسط أربعاء « 9 » ، وغير ذلك .
على أنّ فيه من الحكم العجيبة والأسرار الغريبة ، من معرفة عظم فضل اللّه في المأكل والمشرب والمنكح ، وشدّة ألم الجوع والعطش كي يرأف الغني بالفقير ، وغير ذلك ممّا لا يخفى على من كان مسرح عقله الخوض في حكم اللّه ومراعاة أسراره ، على تفاوت الناس في هذه المرتبة حتى ينتهي إلى أهل العصمة صلوات اللّه وسلامه عليهم ، فإنّهم يعرفون ما فيه من الأسرار ما لا يعرفه غيرهم [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] فعن الحسن بن أمير المؤمنين عليهما السّلام : أنّه « جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فسأله أعلمهم عن مسائل ، فكان فيما سأله أنّه قال له : لأيّ شيء فرض اللّه عزّ وجلّ الصوم على امّتك بالنهار ثلاثين يوما ، وفرض على الأمم أكثر من ذلك ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّ آدم لمّا أكل من الشجر بقي في بطنه ثلاثين يوما ففرض اللّه على ذرّيته ثلاثين يوما الجوع والعطش والذي يأكلونه بالليل فضل من اللّه عزّ وجلّ عليهم ، وكذلك كان على آدم ففرض اللّه ذلك على امّتي ثمّ تلا هذه الآية :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ« 10 » قال اليهودي : صدقت يا محمّد ، فما جزاء من صامها ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلّا أوجب اللّه تبارك وتعالى له سبع خصال أوّلها يذوب الحرام من جسده ، والثانية يقرب من رحمة اللّه عزّ وجلّ ، والثالثة يكون قد كفّر خطيئة آدم أبيه ، والرابعة يهوّن اللّه عليه سكرات الموت ، والخامسة أمان من الجوع والعطش يوم القيامة ، والسادسة يعطيه اللّه براءة من النار ، والسابعة يطعمه اللّه من طيّبات الجنّة ، قال : صدقت يا محمّد . . . إلى آخره » « 11 » .
هامش
( 1 ) انظر الوسائل 10 : 239 ، ب 1 من أحكام شهر رمضان .
( 2 ) انظر الوسائل 10 : 471 ، ب 26 من الصوم المندوب .
( 3 ) انظر الوسائل 10 : 485 ، ب 28 من الصوم المندوب .
( 4 ) انظر الوسائل 10 : 440 ، ب 14 من الصوم المندوب .
( 5 ) انظر الوسائل 10 : 436 ، ب 12 من الصوم المندوب .
( 6 و 7 و 8 ) الوسائل 10 : 411 ، ب 5 من الصوم المندوب ، ح 1 .
( 9 ) انظر الوسائل 10 : 415 ، ب 7 من الصوم المندوب .
( 10 ) البقرة : 183 ، 184 .
( 11 ) الوسائل 10 : 240 ، ب 1 من أحكام شهر رمضان ، ح 4 ، مع اختلاف .