الثابت بظاهر الدليل ، لا أنّه مقتضى الأصل ومساوق لأصل البراءة ، فلا بدّ أن يثبت المكلّف به بالدليل حتّى يمكنك التخفيف عن مقتضى مدلول الدليل بهذا الأصل ، وفيما نحن فيه لا يمكن إجراؤه إلّا من باب أصالة عدم ثبوت الحكم .
قلت : أمّا أوّلا : فمبنى هذا الكلام تسليم كون المكلّف به مجملا يجب الإتيان به بإتيان محتملاته .
فأقول : لا يجب الإتيان بجميع المحتملات رفعا للحرج ، كما نقول : لا يجب على من اشتبهت عليه القبلة إلّا الصلاة إلى الجوانب الأربع ، مع احتمال كون القبلة غيرها أيضا ، فنفي العسر والحرج قد يرفع بعض أجزاء المكلّف به ، وقد يرفع بعض شرائطه ، وقد يرفع نفس المكلّف به .
وأما ثانيا : فما حقّقته وبيّنته من كون ذلك دليلا لا اختصاص له برفع العبادة الثابتة أو تخفيفها ، بل يمكن إجراؤه في إثبات نفس الحكم بأن يقال : بعد الاستقراء ، يظهر من حال الشرع إرادة اليسر والتسهيل وعدم الضرر ، فإن ثبتت صحّة دليل المثبت لعدم وضع المؤن ، فنقول : هذا الدليل أقوى منه ، فيسقط بذلك إذا استلزم ذلك .
وهذا أيضا ليس في معنى أصل البراءة ، فلا مانع من أن يكون الدليل رافعا لحكم أصل البراءة ، ولم يكن رافعا لمدلول هذا الأصل ؛ لكونه أقوى ، وستعرف ضعف الدليل .
وبالجملة ، هذا الأصل إمّا يثبت التخفيف في التكليف الثابت أو ارتفاعه رأسا ، بمعنى أنّ الظاهر من الشارع أنّ التكاليف المطلوبة إنّما وردت على متعارف أوساط الأحوال من جهة المكلّف والمكلّف به معا ، والقدر الحاصل من المشقّة من هذه الجهة مطلوب جدّا ، وهذا الأصل ينفي ما لحق به من الخارج ، فإنّ الغالب في المكلّفين القوّة والصحّة والأمان وعدم الخوف وعدم الاضطرار ، والتكاليف واردة على طبق الأغلب .
رسائل الميرزا القمي — صفحة 863
مساهمون: الميرزا القمي
ص٨٦٣