الإجارة ، وغيرها كهبة ذي الرحم بدون عوض ، والصلح الخالي عن العوض ، والنذر ، واليمين ، بتقريب أن يقال : خرجت هبة الأجنبي الخالية عن العوض بالدليل ، وبقي الباقي تحت العموم ، فما معنى قوله : « لأنّها تصير بالتعويض معاوضة محضة فتلزم للعموم » وما هذا العموم غير العموم المتقدّم .
فإن قلت : المراد منه مثل قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
« 1 » فإنّ التجارة هي عقد المعاوضة لأجل التكسّب .
ففيه أن منتهى دلالته حليّة الأكل ؛ لاقتضاء الاستثناء ذلك ، وإن كان منقطعا فمعناه : يجوز الأكل بعنوان التجارة عن تراض ، وهو لا يستلزم اللزوم . فليس هاهنا عموما يفيد أحدهما لزوم كلّ عقد من العقود سواء كان فيه معاوضة أم لا ، والآخر لزوم كلّ عقد فيه معاوضة .
فإن قلت : إنّه رحمه اللّه فرض الكلام في التعويض الغير المسبوق بشرط العوض ، فإنّه يمكن أن يقال : الهبة للأجنبي مع الإطلاق قد خرجت من عموم
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
وأمثاله ، فما الّذي أوجب لزومه بعد طروء التعويض ، فقال : إنّ الهبة المطلقة صارت بسبب التعويض بعدها معاوضة محضة ، وليس بالهبة المطلقة المخرجة بالدليل عن العموم ، فيدخل تحت تلك الأدلّة العامّة التي خرجت منها أوّلا : فالعمومات في الموضعين أمر واحد .
والحاصل أنّ المعترض في الاستدلال الأوّل أنّ هبة الأجنبي بملاحظة كونها معوّضة تدخل تحت عموم
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
بالاستقلال ، فيلزم في الاستدلال الثاني أنّ خروج هبة الأجنبي المطلقة بسبب الدليل عن تلك العمومات قد ثبت ، ولكن ثبت لزومها ثانيا : بسبب دخولها ثانيا تحت العموم بسبب التعويض الطارئ عليه .
والحاصل : أنّ الهبة المعوّضة داخلة في العام بالأصالة في الأوّل ، وصارت منه
هامش
( 1 ) . النساء : 29 .