المعصومون من الملائكة أو البشر .
ولو أُريد به حينئذٍ منع المحدث من مسّ المصحف - كما هو ظاهر الخبرين المتقدّمين « 1 » - أمكن الاستدلال برجحان التخصيص على غيره عند التعارض .
وقوله :
« لا يَمَسُّهُ »
نفي بمعنى النهي ، أو بمعنى الإخبار عن التحريم * ، والمراد عدم جواز المسّ للمحدث ؛ فإنّه أقرب المجازات إلى الحقيقة المتعذّرة ، والمتبادر من اللفظ بعد تعذّر الحقيقة ، ومن ثَمّ كان المفهوم من قولنا : « افعل » و « تفعل » - مراداً به الإنشاء - شيئاً واحداً ، وكذا : « لا تفعل » نفياً ونهياً ، كما يشهد به العرف ، وتتبّع الأخبار ، والاستعمالات الواردة ، وصحّة تبادل القولين في الخطابات والمحاورات ؛ فإنّ السيّد إذا أمر عبده بشيء ، فتارةً يقول له : افعل ، وأُخرى : تفعل ، والمعنى واحد ، ولو ترك العبد ذلك عُدّ عاصياً في الموضعين ، واستحقّ العقوبة فيهما ، ولم يقبل منه العذر في الثاني بعدم الأمر ، ولو اعتذر بذلك لكان عذراً ساقطاً لا يرتفع به الذمّ من العقلاء ، ولا استحقاق العقاب من المولى .
ويدلّ على ذلك أيضاً : احتجاج الفقهاء قديماً وحديثاً بالجمل الخبريّة الثبوتيّة على الإيجاب ، والسلبيّة على التحريم ، كاستدلالهم بالأمر والنهي ، وعليه مدار الفقه .
وقد أكثر جماعة من المتأخّرين المناقشة في ذلك « 2 » ، وهو من الضعف بمكان .
شرح
* . جاء في حاشية « د » و « ش » : « وبالحمل على الإخبار عن التحريم يندفع ما قيل من رجحان إرجاع الضمير إلى الكتاب المكنون « 3 » ؛ لأنّه لو عاد إلى القرآن لزم الإخبار بالإنشاء أو الوصف ، فلا تغفل » منه قدس سره .
هامش
( 1 ) . تقدّمتا في الصفحة 76 .
( 2 ) . منهم : الشيخ البهائي في الحبل المتين ( المطبوع ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين ) : 36 ، والمحقّق الكركي في جامع المقاصد ، 1 : 92 ، ونسب نفي الوجوب إلى أكثر الأصحاب ، والسيّد في مدارك الأحكام 1 : 241 ، ( ضمن هذا الموضوع وفي ردّ الاستدلال بالآية ) .
( 3 ) . انظر : التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) 29 : 431 .